الأحد، 29 مايو 2011

عفوا .. لن أدافع عن الديموقراطية


     أدعوك فقط أن تسدل ما رفعته من أطراف ملابسك على ذراعيك بعد أن دفعك العنوان  " للتشمير" وتعيد حاجبيك إلى ما كانا عليه من فرقة  قبل " التكشير " !
    
     ربما تتهمنى الآن بأننى سلفى بعد هذا الهجوم - فى وجهة نظرك - على قداسة الديموقراطية ، ربما .. هذا إن صح أساسا وصْفُ السلفية بالتهمة ..

     ولكن أطمئنك إن كنت من المصابين بالسلفوفوبيا أنا لا أنتمى إلى " التيار السلفى " وإن كنتُ سلفى العقيدة ..

      لن أطيل النفس فى تلك الجزئية ، ولكنى أثرتها لصلتها بالموضوع بل وبكل موضوع للأسف الآن ولأزعم أيضا على إثرها أننا فى حاجة إلى ضبط موضوعى لكافة المصطلحات التى نتداولها الآن من دولة مدنية ودولة دينية وغيرهما بل نحتاج لضبط للمفردات التى تتكون منها تلك المصطلحات .. مدنية . دين . دولة !

     من المؤكد أنك سمعت من بعض الكتاب الموضوعيين أو أشباههم أو مدعى الموضوعية بعض التنظيرات التى قد تختلف فيما بينها .. وربما مصطلح الديموقراطية أيضا ناله نصيب كبير من تلك التنظيرات التى يصعد بعضها بالديموقراطية إلى درجة القداسة ويجعلها البعض حراما وبدعة ويقف آخرون على مسافات متفاوتة فى القرب والبعد من التقديس والتبديع .

أنا لن أدافع عن الديموقراطية .. بل وربما أهاجمها .. !
حسب تلك الديموقراطية ..
فهناك صنف من الديموقراطية أهاجمه ,,
وصنف آخر لا أهاجمه ، ولا أدافع عنه ....

أظن الأمر اتضح الآن  للبعض ممن ربطوا بين حديثى عن ضبط الاصطلاحات وبين مفهومهم عن الديموقراطية ، ولمزيد من التوضيح أقول وبالله التوفيق

انا كمتبنٍ لمشروع نهضة إسلامى المرجعية والنكهة والهوية ، لا أقدس ما أنتجته ( العقيدة الديموقراطية ) ولكنى أقبل بها كآلية تنفيذية لتحقيق الشورى التى (أعتقد) فيها ، والتى تتعدد آليات تطبيقها ، والآلة الديموقراطية إحدى تلك الآليات ..

إذن أنا أهاجم الديموقراطية كعقيدة ، ولكنه هجوما ديموقراطيا !! ، بمعنى أنك لك كل الحق فى أن تعتقد فيها ، بل ولك لك الحق فى أن تنتقدنى وتنتقد مشروعى الإسلامى طالما لا تصادر على حقى فى عرض بضاعتى ونقدك فى جو من الشورى أو الديموقراطية إن اردت أن تسميها ..

أظن أنى أجبت على سؤالين من ثلاثة أسئلة على الأقل تبادرت إلى ذهنك الآن .. فقد أوضحت ما الفرق بين الديموقراطية التى أهاجمها والديموقراطية التى لن أدافع عنها ، واوضحت لماذا أهاجم الديموقراطية التى هى عقيدة ترى أن النظام العالمى الحالى هو قمة التطور وأنه نهاية العالم فلا سبيل إذن عند معتقديها إلى وجود عقيدة سياسية أخرى صالحة مع ديموقراطيتهم او عقيدتهم ..

وبقى سؤال .. لماذا لا أدافع عن الأخرى طالما أنى لا أهاجمها ، وفى الحقيقة هناك سببان أساسيان :
الأول : الوسائل لا يُدافع عنها ولا تهاجم لذاتها ، فالوسائل فى الفكر الإسلامى تأخذ حكم مقاصدها ، ليس كما يقول البعض بأن الغاية تبرر الوسيلة ، كلا ، بل لابد من نبل الغاية والوسيلة معا ، ولكنى أتحدث عن صنف من الوسائل التى لا يمكن وسمها بنبل أو بخبث لذاتها ، فمثال ما أقول أن السكين يحرم استعمالها فى القتل ويباح فى الذبح ، أما استخدام الكذب فى السياسة مثلا لأجل تحقيق مكاسب فلا يجوز الفكر الإسلامى لأن الغاية لا تبرر الوسيلة فى الفكر الإسلامى .

والديموقراطية أشبه بمثال السكين ، تأخذ حكم الغاية ، فإن كان الغاية منها تحقيق الشورى فاستخدامها يدور بين الحرمة والإباحة والوجوب ، الحرمة إن أمكن استخدام وسيلة خير منها ، والوجوب فى حالة عدم التمكن من اللجوء لآلية أخرى للشورى والإباحة إن تساوت مع غيرها جاز استخدام أحد الآليات وترك الأخرى ..

وأرى أن الديموقراطية انطلاقا من هذا التنظير هى آلية ، حتى وإن لم نجد غيرها الآن فمن الطبيعى جدا أن نجد وسيلة أفضل فى المستقبل ، والخلاصة أن الديموقراطية ( كآلية ) لهذا السبب ليست مما يدافع عنه عنه أو يهاجم لذاته .

الثانى : كيف لى أن أدافع عن الآلية الديموقراطية وأنا أرى بأم عيني أن كبار الداعين للديموقراطية كآلية وفلسفة وعقيدة وربما كدين أيضا ! أراهم ينقلبون عليها ، فالعقيدة الديموقراطية فى أبسط معانيها هى حكم الشعب لنفسه ، عن طريق الانتخابات وحكم الأغلبية ، دون وصفها بفسق أو إيمان ، بجهل أو علم ، فقط الأغلبية ، ولهذا ضاق بها الإسلاميون ، لأنها تعنى الموافقه على أى قانون مهما خالف أى شيئ ، فنجد التصويت على قانون إباحة الشذوذ هناك وقانون تحريم الحجاب هنالك .. وبالتالى فهى حكم أو تحكيم الهوى.

وقد آن الآوان للديموقراطيين أنفسهم أن يضيقوا بعقيدتهم التى تبيح للأغلبية فعل ما تشاء طالما أنها أغلبية ، وبالتالى كانت الآلة الديموقراطية ترجمانا لتلك العقيدة
 فحين وسموا 77.2 % من أصل 18.000.000 مصوت بالجهل السياسى والبساطة الفكرية ، بل وبالسذاجة والجهل المطلق عند بعضهم كان ذلك هو عين الهجوم على الديموقراطية ، قبل أن يكون هجوما على الشعب المصرى الذى شهد العالم بعبقريته. قد أدافع عن الشعب الذى أنا أحد أفراده ، قد أدافع عن الـ 77.2% الذى أنا أحد مكونيها.ولكنى لن أستطيع أن أدافع عن الديموقراطية لأنها تعنى أنه إذا فرض وأن الأغلبية بالفعل جاهلة أو ملحدة تحكم البلد بالجهل والإلحاد ، وإن دافعت أحيانا عن الآلة الديموقراطية أدافع فقط عن العقد الذى هو شريعة المتعاقدين وليس عن الآلية الديموقراطية نفسها .. وقبل أن تتهمنى بالتناقض إذ إنى ذكرت من قبل ان الغاية لا تبرر الوسيلة ، أذكرك أنى لم أقل أنى سوف أهاجم الآلة الديموقراطية بل لها ما لها وعليها ما عليها ، وأنا أرى الآن أن الضرر الناجم عن التخلى عن العقد الديموقراطى الذى عقده الشعب فى الاستفتاء أكبر من الضرر الناجم عن البحث عن آلية لن تكون أكثر توافقا مع الواقع من الآلة الديموقراطية على الأقل فى تلك اللحظة .

ألخص ما قلته ..
أنا لا أؤمن بالعقيدة الديموقراطية ، أما الآلة الديموقراطية فاجتهاد بشرى ووسيلة تأخذ  حكم مقاصدها ، وأراها - بعيوبها - هى الانسب للمرحلة ، وليس على الدوام ، ربما يظهر  ما هو أفضل منها ، ربما تتماسك فترة طويلة جدا قبل أن ترثها آلية أخرى ، ولكن لابد لها أن تسقط لما سيستجد من تطورات لا يعلمها إلا الله شأنها شأن أى اجتهاد بشرى ، وتلك سنة ربانية ماضية لا تبديل فيها ولا تغيير .

الاثنين، 7 مارس 2011

دور الإعلام والتعليم فى تكوين الاتجاه السلبى عن الذات فى إطار الحرب على تيار الوعى ، قبل 25 يناير .




أريد أن أتفق معكم فى البداية على نقاط اعتقد أنها الآن انتقلت من مرحلة السر الذى يعلمه الجميع إلى مرحلة الفضيحة التى لا يجهلها أحد ، وصارت كالمسيلمات التى لا ينكرها منصف  ، وهى ..

أولا : لا يختلف الآن اثنان على أننا كنا نحكم من قبل عصابة منظمة لها منهاجية واضحة فى الإفساد  والظلم والقهر .


ثانيا : شباب مصر بخير ، على الأقل فى السنوات القليلة التى سبقت الثورة والتى مهدت لها وخاصة على مستوى الوعى .. فقد انتقل شبابنا من أزمة الوعى ، إلى وعى الأزمة ، ثم إلى مبادرة حل الأزمة فكانت الثورة .
ثالثا : فى ظل النقطتين السابقتين يمكن لنا أن نرسم علاقة شديدة العداء بين الآلة التى تتعامل بها (العصابة) مع العدو الحقيقى لها وهو تيار الوعى الذى تحول الآن إلى تيار الخلاص .
رابعا : إذا  كنا نطلق على الفئة الأولى لفظ (العصابة) وعلى الفئة الثانية لفظ ( تيار الوعى ) إلا أننا لا نتحدث عن عصابة بالمعنى التقليدى فهى عصابة لديها كل الإمكانيات العلمية والنفسية والتكنولوجية ، فى مواجهة فئة واعية قد لا تمتلك إلا الوعى بل تجاهد لمجرد الوصول إليه ..
فى ضوء اتفاقنا على ما سبق يمكن أن ننطلق
      فالعصابة التى كانت تحكم البلاد تدرك إدراكا كاملا لخطورة امتلاك الشعب للوعى ، وفى إطار إدراكها لذلك لم يسعها إلا أن تشن حربا على كل من يحاول أن ينشر هذا الوعى بين الناس وخاصة الفئة القادرة على التغيير .. فئة الشباب ، فكانت الممارسات المختلفة بدءا من الحرب الفكرية  وصولا إلى الممارسات القمعية والإرهابية مرورا بسلسلة منظمة وممنهجة من الوسائل الأخرى المختلفة ، ولعل من أكثر تلك الممارسات الممنهجة والتى اتخذت طرقا ووسائل شتى هو ما أردت أن أتحدث عنه تحت عنوان (دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية فى تكوين الاتجاه السلبى عن الذات ) ..

فالآلتان الإعلامية والتعليمية لهما موقع الصدارة فى الممارسات الفكرية الممنهجة التى تتبعها العصابة  لقمع الوعى ، والاتجاه السلبى عن الذات هو أكثر ما يحقق بقية الأهداف الأخرى فى إطار " حرب الوعى"
الاتجاه :
ما الاتجاه ؟ يعرفه علماء النفس تعريفات مختلفة يمكن أن نستشف منها خصائصه التى أكثرها صلة بموضوعنا : أنه مكتسب غير متعلم ، أنه ثابت نسبيا ، أنه ليس هو السلوك ولكنه شعور عام لدى الشخص يشكل ما يقوم به من سلوكيات ، يتخذ صورتين ( صورة إيجابية وأخرى سلبية )
الذات : هى بكل بساطة فكرة الشخص عن نفسه
وبالتالى يكون " الاتجاه السلبى نحو الذات " هو الفكرة السئية السلبية التى يكونها الفرد عن نفسه بصورة مكتسبة يصعب تغييرها وتكوينها إذ إنها تتميز بالثبات النسبى .

الهدف من تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
أخطر ما فى هذا الأمر أن هذا الاتجاه يمثل – بعد تكونه – حربا على كل محاولة للتغيير والإبداع هذه الحرب يشنها الشخص على نفسه ، وبالتالى ينشغل الفرد أو ( المجتمع فى مجموع أفراده ) بحرب الصراع النفسى بين الوعى المغلوط والواقع المرير عن الحرب على الفساد أو محاولة تغيير الواقع .

آليات تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
       أهم تلك الآليات هى الرسائل الفكرية ، والمؤسسة الإعلامية تليها المؤسسة التعليمية هى أخطر الآلات فاعلية فى هذا الصدد ولنلق نظرة على بعض الممارسات الإعلامية والتعليمية التى ساهمت فى تكوين هذا المفهوم

أولا : ممارسات الآلة الإعلامية

     من العسير أن نحصر كل تلك الممارسات التى تفننت ( العصابة ) فى ابتكارها وتنويعها ، ولكن يكمن أن نعطى بعض الأمثلة التى توضح الفكرة العامة لتلك الممارسات لبيان أنها عملية ممنهجة وليست ممارسات فردية كما يحلو للبعض أن ينعتها الآن هروبا من الوعى الجديد إلى ازمة وعى جديدة .
أ ) الممارسات الصحفية :
     ولست بصدد الحديث عن الصحف الحكومية المسماة زورا وبهتانا بالقومية فقط  ، ولكنى أتحدث أيضا عن طائفة اخرى أكبر من الصحف التى تسمى زورا وبهتانا أيضا بالصحف المعارضة ..
1 – مهاجمة الفئات الواعية والتى تعمل على نشر الوعى عن طريق الصحف الحكومية والمعارضة على السواء التى  ثبت الآن بالوثائق أن بعضها كان يتعامل مع أمن الدولة اليد الطولى للنظام البائد (العصابة) ، مع مهاجمة الصحف الحكومية الرسمية للصحف الحكومية المصطبغة بصبغة المعارضة والعكس ، فيجد الإنسان البسيط نفسه مذبذبا بين تيارات متشابكة من التشكيك فيفقد الثقة فى الجميع ، وصولا إلى فقد الثقة فى قدرته الشخصية على التقييم فيترك ( العيش لخبازينه ) وهو ما يريده النظام .
2 – ترك مساحة تضيق وتتسع للمعارضة الحقيقية حسب الظروف الأمنية ليس لاقتناع النظام بالديموقراطية ولا حتى بسبب الضغوط الأجنبية والخارجية والحقوقية فقد ثبت بما لا يدع مجالا لهذه التبريرات أن هذا النظام ( يخاف ما يختشيش ) ولكن لإقناع العامة بالمناخ الديموقراطى الذى تحياه البلاد ، فيفقد الثقة فى تيار الوعى وبالتالى لا يتجاوب معه .
3 – ترك مساحات واسعة لمعارضة حقيقية ولكنها لا ترسخ لوعى حقيقى .. كبعض التيارات السلفية التى لا يمكن أن نتهمها بالعمالة ، ولكنها تهاجم النظام بكل ما أوتيت من قوة ، وكذلك اتهاجم كل لمعارضين ، وهذا ما يجعلنا نفسر اتجاه الحكومة لفتح المجال أمام السلفيين وبعض اليساريين فقد تركت الدولة تلك المساحات لممارسة بعض حريتهم بصورة موسعة .
ب ) بالنسبة للمارسات التليفزيونية والسينيمائية ...
          1 – الحرب المباشرة .. فالحرب المباشرة على بعض الفئات المعارضة التى تشكل بصورة أو بأخرى تيارا واعيا يتم محاربتها جهارا نهارا كما رأينا فى مسلسل الجماعة الذى شن فيه حربا على جماعة الإخوان المسلمين فى رمضان السابق بعرض تاريخ الجماعة بصورة مشوهة وكذلك واقعها بصورة غير منصفة ، وصولا إلى أزمة فقد الثقة من المعارضين بعد فشل الإعلام فى تثبيت الثقة فى النظام ، فيلعب على أزمة الثقة التى تنتقل كما أوضحنا إلى نزع ثقة المشاهد فى قدرته فى تقييم الأمور .
          2 – الترسيخ لواقع نفسى سلبى .. فطائفة كبيرة جدا من الأفلام المسلسلات تتحدث عن الفساد السياسى بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع كما فى فيلم ( وش إجرام ) للفنان محمد هنيدى ، فقد تحدث عن فساد رجال الأعمال المزاوجين بين المال والسلطة وعلاقة ذلك بالبطالة  والإرهاب بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع ، ثم فى نهاية الفيلم تقدم رسالة قوية مؤداها أنه ( ما باليد حيلة ) حين يتجه رجل الأعمال الفاسد إلى المطار بعد محاولة الظابط المخلص القبض عليه ووقوفه عاجزا أمام تليفون من مسئول كبير ، ووقوف الشاب يغنى ويردد جملة غاية فى السلبية وانعدام الوزن والقيمة والوعى ( ادينى الحقنة بسرعة أرجوك محتاجة الجرعة ) هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة يكون اتجاها سلبيا عن الذات يحول بين الشباب والفعل وهو ما يريده النظام .
          3 – توجيه رسالة قوية من خلال عدد كبير من الأفلام والمسلسلات مؤداها أن الشباب فاسد وليس أهلا للثقة كمسلسل " الفاضلة يسرا " التى أوهمتنا أن الفتاة تغامر بمجرد نزولها إلى الشارع بشرفها والحديث عن الاغتصاب وكأنه ظاهرة متكررة فى كل شارع فى كل يوم ، وكذلك فيلم (أوقات فراغ ) الذى وجه رسالة مؤداها أن الشباب تدفعه البطالة إلى المخدرات والجنس ، وتصوير الشباب المصرى بالهمجية والتطرف والقابلية للاستهواء فى فيلم (حين ميسرة) ، وقد رأينا فى ميدان التحرير كيف أنه لم تسجل حادثة تحرش واحدة وسط الملايين المحتشدة ، ولم يتم استهواء الشباب من قبل القوى الخارجية  كما ردد الإعلام المصرى  ، أو يتم شرب المخدرات والترويج لها كما أشاعت العصابة .. أو غير ذلك من القيم السالبة التى دأب التليفزيون المصرى على ترسيخها فى إطار حديثه الشبه الموضوعى عن الفساد السياسى على طريقة دس السم فى الشهد .
ج ) بالنسبة للبرامج الإخبارية والحوارية :
     لن أستفيض فى توضيح نماذج ولكننى أشير إشارة سريعة إلى الممارسات الإخيرة قبل الحادى عشر من فبراير .. فقد حرص التليفزيون المصرى على وصف المتظاهرين بصفات تفقدهم الثقة فى أنفسهم من خلال الإشادة برغبتهم فى التحول الديموقراطى - الذى طالما وصفوا النظام البائد بتحقيقه - مع التنبيه بأن من يحرك الأحداث هى فئات خارجية مندسة لتنفيد أجندات معينة ، فى محاولة لإفقاد الشباب الثقة فى جدوى ما يفعلون وفى تلقائية الثورة الشعبية الشبابية من أجل ( تكوين اتجاه سلبى عن الذات الجماعية الثورية ) وبالتالى التشكيك فى الأهداف والتنائج ، وكذلك استعداء جموع الشعب على الثوار حتى يجد الشاب نفسه متهما من قبل الأسرة والزملاء الأكبر سنا فى العمل فيقتنع أنه على خطأ ..


ثانيا  : الممارسات التعليمية
     
     الإهمال العام الذى لا يخفى على أحد فى القطاع التعليمى والنفقات المخصصة للبحث العلمى والعراقيل التى توضع أمام الباحثين كل هذا وحده يكفى لنزع الثقة من الطلاب والباحثبن فى قدرة بلادهم على النهوض بأى عمل عظيم .. ولكن لم تكتف العصابة بذلك بل أخذت تدس بعض البرامج التعليمية والممارسات الممنهجة التى ترسخ لهذا المعنى ، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
1 ) الأبنية التعليمية : هى بالطبع فى حالة يرثى لها وأظن أن الطالب الذى يدخل المدرسة أو الجامعة لا يجد لنفسه مكانا لمجرد الوقوف فيه للاستماع إلى المدرس أو الأستاذ الجامعى فإنه يتكون لديه شعورا بالإحباط وعدم جدوى ما يتعلمه بالكلية .
2 ) المناهج العقيمة المحتوى : فطالب اليوم ليس منغلقا على نفسه وعلى ما أمامه فى المجتمع ، فمقارنة الطالب المناهج التى تقدم له بما يقدم لأقرانه فى دول أخرى يجعله يشعر بالخزى وعدم القدرة على مواكبة العصر .
3 ) سياسة التقويم : فمن المعلوم أن التقويم يجب أن يشمل كافة الجوانب التعليمية ، ولكن لا يتم التركيز فى مؤسساتنا التعليمية إلا على الجانب النظرى اللفظى فقط مما يجعل مهمة الطالب هى جمع أكبر عدد من المعلومات لتفريغ بعضها فى ورقة الأسئلة ثم تفريخ الباقى فى أقرب سلة مهملات للجنة الامتحانات .
4 ) فصل التعليم عن العمل : فعلاوة على ما يعانيه الشباب من بطالة كافية وحدها أن تدمر طاقات الشباب النفسية نجد تعمدا واضحا لإشعارهم بعدم جدوى ما تعلموه بالجامعات ، كما فى حديث المحافظين عن إعادة التأهيل للأعمال الفنية واليدوية ، لدرجة أن الوزيرة السابقة للقوى العاملة عائشة عبد الهادى قالت إن خريجى الكليات النظرية يمكن أن يعملوا فى مجال شركات الأمن والخدمات .. أى ( خفراء ) هكذا .. كل الكليات النظرية بما تشمله من دراسات فى الأدب والفن والفكر والسياسة والإقتصاد والمسرح واللغات والديانات والتاريخ والجغرافيا وغيرها من المجالات العلمية المختلفة ... كل هذه المجالات وغيرها يتجه خيرة شباب مصر ممن أتقنها إلى العمل كخفراء أمام محلات الملابس والشركات الاستثمارية والفنادق والمولات ومحطات البنزين. فكيف تكون نظرة الشاب لنفسه عندما  يسمع مثل هذا الكلام من وزيرة القوى العاملة غير الشعور بضآلة الذات وعدم جدوى العلم .
5 ) إهمال الجانب العلمى للمعلمين أنفسهم : فى كليات التربية وعدم الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والتطوير لمن هم فى الخدمة منذ فترة طويلة أو إجراء تلك البرامج بصور صورية حتى تصبح العملية التعليمية عمليه كرتونية مما يدفع الشاب فى فقد الثقة فى المعلم الذى يعتبره فلاسفة التربية ( جحر الزاوية فى العملية التعليمية ) .

وغير ذلك من الممارسات التربوية الممنهجة لتكوين هذا الاتجاه السالب عن الذات لدى الطلاب بل والمعلمين أنفسهم .

  ملاحظة قبل الختام 
..... ما بعد الثورة ......

      لا يمكن لعاقل أن يتخيل أن التاريخ سيتغير بضغطة زر ، فالممارسات ذاتها ما زالت تمارس إلى الآن ، فمعدى البرامج مازالوا هم هم والمذيعين والفاسدين فى المؤسسات الصحفية والقائمين على شؤون التعليم فى معظم المراكز القيادية مازالوا بأماكنهم ، وقد رأينا تورط معظمهم فى قضايا فساد وتعاون مع جهاز أمن الدولة المجرم ، فهم الآن لا يدافعون عن النظام إنما الدفاع عن أنفسهم ، وهذا النوع من الدفاع يكون أشرس ، فلا نعجب مثلا من استضافة ركن النظام السابق المذيع خيرى رمضان للمجرم فؤاد علام ليتحدث عن أهمية جهاز أمن الدولة فى وقت تتم فيه حربا شعواء بين المواطنين والجهاز .. الحاكم الفعلى لمصر .. فيجب أن ننتبه ، فرياح التغيير هبت وما لها من دافع ولكن فلننتبه لبقايا النظام البائد الذين يمارسون الآن نفس العملية ولكن هذه المرة باسم الثورة .

الاثنين، 7 فبراير 2011

فتوى الشيخ محمد الشناوى أحد علماء الأزهر الشريف فى المظاهرات السلمية

( شرعية المظاهرات السلمية ووجوبها )

سألنى كثير من الناس عن شرعية المظاهرات ، وهل هى خروج عن الحاكم ؟ .. وطالبنى سائل  أن تكون الفتوى مكتوبة حتى يقرأها مرة بعد مرة ويقتنع بها من لم يعرف حكمها .
والجواب :  أنى لا أستطيع التخلف عن بيان حكم شرعى طلب منى ، وإلا كنت كاتما لعلم رزقنى الله إياه ، وعاقبنى الله باللعنة فى الدنيا ، ولجام من النار فى الآخرة فهذا ما أخافه فأقول وبالله التوفيق :
المظاهرات هى : خروج جماعة من الناس فى شعب معين يعلنون رأيهم ومطالبهم بصوت جماعى لإيصالها إلى ولى الأمر المسئول أو الضغط عليه ليستجيب لهم ، وهى نوعان :
النوع الأول : مظاهرات يصحبها تخريب العامر ن وإفساد الصالح ، وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة 

، وهذه محرمة شرعا ، ولا يجوز لمسلم أن يفعلها أو يششارك فيها وهذه ليست مظاهرات فى الحكم الشرعى ، إنما هى جريمة قطع طريق ، وإفساد فى الأرض ، ومن يمت فى المشاركة فيها يمت ميتة جاهلية ، وهذه ليست موضوع الفتوى ولا موضوع الحديث هنا .
النوع الثانى : المظاهرات السلمية التى تخرج إلى الشارع بقصد إعلان أو إيصال مطالبها بصوت جماعى إلى ولى الأمر المسؤول نصرة للحق ضد الباطل ، وإنكارا للظلم والفساد ، وإقرارا لمصالح الناس ولا يصحبها تخريب عامر ولا إفساد صالح ، ولا إتلاف ممتلكات ..

هذه المظاهرات السلمية بهذا الشكل مشروعة ، بل هى بما وصفناه : واجبة شرعًا ولا حرج فيها ولا تأثيم ، فهى طريق من طرق النهى عن المنكر ، وإزالة البغى والظلم ، 
(( وليست خروجا على الحاكم وذلك للأسباب التالية ))
أولا : الأصل إباحتها
اتفق الفقهاء كافة أن الأصل فى المعاملات التى تحقق مصالح الناس وتدفع الفساد عنهم الإباحة والمشروعية إلا إذا قام الدليل من القرآن أو من صحيح السنة على التحريم ، فإذا لم يقم الدليل من الدليل على التحريم من القرآن أو من صحيح السنة يظل الأمر مباحا على أصله .
والمظاهرات السلمية ليست كالعبادات المحضة كالصلاة والصيام حتى نطلب لها الدليل على شرعيتها من القرآن أو السنة ، إنما هى وسيلة من الوسائل السلمية التى اتفق عليها الناس كافة ، ومقصودها إيصال المطالب إلى من يهمه الأمر .. فهى بهذا وسيلة وليست غاية ، ومقصودها رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم .. ولا أجد دليلا قطعيا فى الإسلام يحرمها .. فيظل حكمها باقيا على الإباحة والمشروعية بقاء على الأصل .

ثانيا : المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر
وما دامت المظاهرات السلمية تطالب بحق ولا تطالب بباطل ، وما دامت تنشد تغيير ظلم قائم فى الحكم أو منكر سائد فى الإدارة ، فهى وسيلة من وسائل تغيير المنكر ، وهى الوسيلة اللسانية ، وهى بهذا تكون واجبة شرعا وواجب كل مسلم أن يشارك فيها ويدعمها ، ويجب على القائمين بها ان يستمروا حتى يتغير المنكر ، ويزول الظلم والبغى عن المؤمنين ، لأن تغيير المنكر باللسان واجب شرعا ، كما أن السكوت عن الجور محرم شرعا ، والله تعالى يقول ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )  ( آل عمران 104 )
والواضح أنها لا تأتى بمنكر أكبر ولا أصغر إلا إذا أراد الظالمون إفسادها بإحداث الشغب ونسبته للمؤمنين ، أو إفسادها بشائعات وفتاوى المخذولين لتخديرهم وتخذيلهم ، فليحذرهم المؤمنون وليحافظوا على سلميتها .
المظاهرات السلمية أقوى وسائل التعبير :
لست فى حاجة على بيان فضل الجماعة ودورها فى تغيير المنكر ، فنبى الله موسى عليه السلام  حينما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعن الطاغية طلب من الله أن يجهل معه أخاه هارون سندًا له أو ردءًا له ، يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام  ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي(  29) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(  ( (32 سورة طه .. ، ولهذا يقول الله تعالى ( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) والنبى  يقول ( يد الله مع الجماعة ) ( اخرجه الترمذى وهو جزء من حديث فى صحيح الجامع 3621 )
والمظاهرات الجماعية السلمية صوت جماعى مؤثر وضاغط يعبر عن يعبر عن الرأى العام ، وهى فى أقل تقدير بمثابة الاستفتاء العام والإجماع الوطنى الذى يرفض الظلم والظالمين واعتبرها الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وسيلة من الوسائل الكبيرة لتغيير منكرات الأنظمة الحاكمة الفاسدة ، قال حفظه الله فى كتاب ( فقه الجهاد ) " قوة الجماهية الشعبية العارمة والتى تشبه الإجماع ، والتى إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها أو يصد مسيرتها ، لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العرم ، لا يقف أمامه شيئ حتى القوات المسلحة نفسها ، لأنها فى النهاية جزء منها ، وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآبائهم وأبنائهم وأمهاتهم وإخوانهم ( راجع فقه الجهاد 2/ 1050 .. من فقه الدولة 126 ) .
ثالثا : المظاهرات السلمية نوع من الجهاد الفروض
وما دامت المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر فى الإدارة ودفع الظلم عن المؤمنين ، فهى من الجهاد المطلوب باللسان ، والنبى يقول ( ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريونوأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ( أخرجه مسلم وغيره ) .. وعن أبى أمامة قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال : يا رسول الله أى الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه ، فلما رأى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه ، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله فى الغرز ليركب قال " اين السائل ؟ " قال : أنا يا رسول الله ، قال ( كلمة حق عند ذى سلطان جائر ) ( صحيح . أخرجه ابن ماجة فى صحيح الترغيب 2307 )
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدرى ، قال ( أخرج مروان المنبر المنبر فى يوزم عيد - ولم يكن يخرج به – وبدأ الخطبة قبل الصلاة – ولم يكن يبدأ بها – فقال رجل وقال : يا مروان قد خالفت السنة ، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج به فى يوم عيد ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ولم يكن يبدأ بها  .. فقال أبو سعيد الخدرى : من هذا ؟ قالوا : فلان ابن فلان .. فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " ( صحيح ، أخرجه مسلم وغيره ) .

رابعا : المظاهرات  السلمية تأخذ حكم مقاصدها
وما دامت المظاهرات السلمية وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل ، وتغيير المنكر وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل وتغيير المنكر وإزالة الظلم والفساد القائم فى الإدارة والحكم فهى مشروعة بل واجبة فى الإسلام حسب هذا القصد ، وقد اتفق علماؤنا : أن الوسائل لها حكم المقاصد ، فتكون واجبة ، وقالوا : ما يؤدى إلى الواجب فهو واجب مثله .

خامسا : الموت فى المظاهرات السلمية شهادة فى سبيل الله
وما دامت المظاهرات السلمية جهادا مطلوبا باللسان فمن يشارك فيها بنية تغيير المنكر ، وإزالة الظلم ، ونية القيام بفرضية الله فى تغيير المنكر فهو مجاهد فى سبيل الله ، فإذا مات فيها بهذه النية أو قتله الظالمون ، ولم يتعمد قتل نفسه ، فموته فى هذه الحالة شهادة له فى سبيل الله .. بقوله تعالى ( إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الأنفال 70 ) ، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ( صحيح .. أول حديث أخرجه البخارى فى صحيحه ) .
ويقول النبى : سيد الشهداء : حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله ) حسن .. أخرجه الحاكم والضياء عن جابر كما فى صحيح الجامع 3675 ) .
خامسا : المظاهرات السلمية ليست خروجا على ولى الأمر الشرعى
وبما ذكرناه لا تكون المظاهرات السلمية خروجا على ولى الأمر الشرعى ، فالخروج على ولى الأمر تعنى أن تخرج جماعة ذات شوكة ، يعنى جماعة مسلحة يقاتلون الحاكم وينازعونه سلطته بقوة السلاح ، كما رأيناه قديما فى جماعة الخوارج على الإمام على بن أبى طالب t ، ورأيناه حديثا فى الجماعة الإسلامية يوم أن كانت تقوم بعمليات العنف التى رفضها كل عاقل ، ورفضناها مع كل الناس .. والخروج بهذا المعنى مرفوض شرعا لأنه يؤدى إلى فتنة أكبر ، وهذا نعرفه ولا نجهله .
أما المظاهرات السلمية بما ذكرناه فليست كذلك مطلقا ، ليس فيها قتالا لحاكم ولا خروجا مسلحا عليه ، ولا إفسادا فى الأرض ، إنما هى نوع من التعبير عن رأى الجماعة أو رأى الشعب ، لأجل تغيير منكرات الحكام الظالمين ، خاصة هؤلاء الذين لم يأتوا إلى الحكم برضا الشعوب المنكوبة فى انتخاباتها ، إنما اغتصبوا الحكم فيها بالتزوير ، وقوة الأعداء ، ودسائس مخابراتهم ، كما نقلوا عن إلحاح الكيان الصهيونى على المجتمع الدولى أن يعمل على بقاء الحكم الظالم الجائر فى مصر .

سادسا : الدستور لا يعتبر المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم
هذا فضلا عن أن الدستور المصرى لا يعتبر هذه المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم ، إنما اعتبرها وسيلة من وسائل التعبير عن الرأى ، وأكد أنها حق الإنسان فى مصر وغيرها ، وألزم القوة المتسلطة أن تحترمها وتلبى مطالبها ، راجع فى ذلك المادة رقم ( 47 تقول : حرية الرأى مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقوة أو الكناية أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون .. ) وفى نهاية المادة 54 تقول ( والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة فى حدود القانون ) والقول بأنها خروج على الحاكم من تلبيس إبليس الكامن فى أجهزة المخابرات التى يديرها الأبالسة ، لأجل خداع الناس المنكوبين والغاضبين .

وخلاصة الفتوى
أؤكد أن المظاهرات السلمية بما ذكرناه وسيلة مشروعة من وسائل تغيير المنكر الواجب إنكاره وتغييره ، وليست خروجا على الحاكم .... هذا فضلا عن أن القانون الإنسانى المعاصر والدستور المصرى القائم اباحها للمنكوبين ما دامت بالطرق المباحة ولم يجعلها خروجا على الحاكم


محمد السيد الشناوى
من علماء الازهر الشريف
إمام وخطيب مسجد أبى بكر الطرينى بالمحلة الكبرى

الجمعة، 23 يوليو 2010

إذا أهمتك الحياة فاذكر الموت !!


سيطر على فى الأيام القليلة الماضية شعور رهيب بالعدمية ، والفناء ، أنظر إليهم جميعا .. أراهم هناك لا هنا ، هناك فيما وراء الحياة ، بعيدا عن المسرحية الأزلية التى يتقن كل منا فيها دوره إلى حد التوحد معه ، اندماج يحول بين أبطالها وبين الإفاقة من غيبوبة التقمص ، هذه المسرحية رغم شدة إتقان أحداثها لا يعرف كثير من أبطالها ما دوره فيها ، ولا يعرف أى منهم متى ينتهى تحديدا !! ومع ذلك يؤديه بإتقان وحرص شديدين ، حتى إذا حان موعد انتهاء الدور تشبث بالخشبة بيديه ورجليه وكأنه لا يعلم أن  
كل نفس ذائقة الموت
رأيت جدى - أو من هو فى مقام جدى – وهو يحتضر ، كان مصرا على أن يؤدى صلاة المغرب ، وبعيدا عن فكرة الخاتمة وحسنها أو قبحها سيطرت على فكرة ، الرجل فى غيبوبة الموت كان مصرا على التمسك بآخر ما تبقى من ثوان ليقضيها فى الأمر الذى كان يتلذذ به فى دنياه متشبسا بالحياة التى أحبها ، ربما حزين على فراقها ، ربما علم أنها النهاية فى تلك اللحظات الصعبة ويشعر بالرهبة مما وراء تلك اللحظة من خلود فى عالم آخر لا يعرف ماهيته مهما قيل له عنه ، وجدت نفسى أتذكر المقولة المأثورة ( من عاش على شيئ مات عليه ) ولكنى قرأتها بمعنى جديد على ، معنى التشبث بالحياة ، ولكن فى غضون لحظات ، لم يستطع الرجل أن يقاوم القدر المحتوم ، انتهت صلاته ، سكراته .. بل حياته.
دفناه ظهرا ، ومن ترتيب القدر أن أحضر جنازة أخرى عصرا ، و عند القبر .. لحظة نزول الجسد إلى نافذته إلى العالم الآخر ، كسر الصمت صوت الواعظ الذى لم يختلف دوره عن دور مكبرات الصوت حيث ترجم الوعظ الخافت الصامت إلى وعظ مسموع ، ولعله كان من المقربين إلى المتوفى فأخذ يثنى عليه خيرا ويروى لنا أنه ممن عانى من المرض كثيرا حتى توفاه الله على الإيمان والصبر ، تذكرت ساعتها جدى الذى كانت له ظروف مشابهة ربما أكثر قسوة مع المرض ، وساعتها تبلورت الفكرة فى رأسى .. إذا أهمتك الحياة فاذكر الموت .
لعلهما الآن نسيا كل ما مر بهما من ألم إن من الله عليهما برحمة نأملها لهم ولنا .. تذكرت أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة حين رأى فى عينيها شفقه عليه وحزنا على ما أصابه من مرض وكرب فقال لها ( ليس على أبيك كرب بعد اليوم ).
وجدت نفسى وقتها أكررها كثيرا .. إذا أهمتك الحياة فاذكر الموت !!

السبت، 29 مايو 2010

هارب إلى السجن

قصيدة حبيبة إلى قلبى رغم مرور أعوام على كتابتها ، ولكنى أفضل أن تكون أولى قصائد مدونتى !!

أهرب منك إلىّ
أهرب من أحداق عزمت ..
أن تنفث من عطر الزهر لذيذ السم بفىّ 
فتراودنى عنك عيونى  :
أن فارتد إلى محراب الحب سريعا كى 
ترشف من ريان النور كؤوسا 
تطفئ فى أحشاء الهجر مرار الغى.
**********************
فتسير قوارب أفكارى 
ويحرك مرجلها نارى
كى أنأى عن شط الحب 
وليل الصب 
وقلب فى أحشاء الحب 
أراه عن الآلام عمىّ 
********************
كى أهرب من حب أمسى 
سجانا للعقل وأنسى 
فأفلك بغية أن أرسى 
ببعيد ، بل أبعد مرسى 
هربا من ماضىّ
******************
لا تثنينى ناريات العين عن الإبحار
لا تحرمنى نواحات الدمع الاستمرار
أمضى فى إصرار
لا تغرينى صبارات الشهد 
بكف الوغد
****************
لكنى أهرب من سجن فى قلب المحبوب فألقى ..
أحداقى 
بصفاء البسمة فى رسم محفور 
علقى 
ألقانى فى سجن أكبر فى نفسى 
منفى 
أهرب منك إلى 
أهرب منك إلى

الخميس، 8 أبريل 2010

فى ذكرى أحداث السادس والسابع من إبريل بالمحلة

هذا المقال كتب معاصرا للأحداث ، أحببت أن أنشره بنصه دون أى تعديل لأنه إنما يكتسب قيمته التأريخية من المعاصرة الزمنية والمكانية للأحداث ، ولم أجد منذ سنتين مرتا على الأحداث كتابات تتناول ما تناولته من أوضاع خلف النيران قد لا تتسنى للمحلل الذى يعتمد على شاشات التلفاز والنشرات الإخبارية ..
أحداث المحلة
ما لها وما عليها

بقلم شاهد عيان من أبناء المدينة
قبل أن أبدأ أود أن أؤكد حقيقة لا يمكن إغفالها ، وهى أن ما حدث فى مدينة المحلة الكبرى يومى السادس والسابع من إبريل عام 2008 م أمر خطير بل لا أكون مبالغا إذا اعتبرته من نقاط التحول فى التاريخ المصري ، فهناك أشياء كثيرة يمكن أن نتناولها على صعيدين متمايزين ، قبل أحداث المحلة ، وبعدها ليس من جانب الحكومة التي اضطرت إلى مراجعة حساباتها فحسب ، ولكن من جانب الشعب أيضا الذي بدأ يشعر أنه يمكنه أن يواجه ويقاوم (بغض النظر عن درجات الفهم للأحداث التى تتدخل فى تحديد الشكل العام لمفهوم المقاومة فى أذهان الجميع بما فيهم "الفئة المندسة" )... وفيما يلى محاولة لفهم ما حدث بنوع من الحيادية والتجرد السياسى إلى أقصى جهدى فى التجرد والحيادية..

وقبل أن أبدأ أيضا أود أن أشير إلى أن ما حدث فى المحلة الكبرى كان حدثا متوقعا ومفاجئا فى الوقت ذاته ! متوقعا فى ظل الظروف المعيشية الصعبة التى تواجه المجتمع المصرى منذ فترة طويلة وفى ظل الدرجة التى بلغتها هذه الصعوبة فى الآونة التى سبقت الأحداث ، أما المفاجأة فتتمثل فى عنصرى الزمان والمكان فلم يكن لأحد مهما أوتى من براعة فى التوقع والتحليل السياسى أن يحدد هذا التاريخ ليكون هو بداية الانطلاق لما أسماه الكثيرين بـ (ثورة الجياع) والتى تنبأ بوقوعها عدد من المفكرين والمحللين السياسيين منذ سنوات ، ولعل أكثرهم دقة فى تحديد الفترة الزمنية التى يتوقع أن تحدث فيها تلك الثورة أشار أنها سوف تحدث خلال السنوات العشر المقبلة أو أقل قليلا ولكن الظروف الاقتصادية الطاحنة كان لها مفعولا أقوى من أن يتوقع ، أما على مستوى المكان فلم يشر أحد إلى المكان الذي تندلع منه الشرارة الأولى بنوع من التحديد أو حتى التخمين ، وأعتقد أننا إذا طرحنا هذا التساؤل قبل أحداث المحلة لامتنعت طائفة من المحللين عن الإجابة وأشارت أخرى – على استحياء – إلى القاهرة لا لشيئ إلا لأنها بؤرة الأحداث الساخنة ولتعداد سكانها الضخم .على كل حال لم تشر أية توقعات على مستوى الزمان أو على مستوى المكان بما حدث رغم أنه كان متوقعا بشكل عام..

الفئة المندسة :

وصفت الحكومة المصرية آلاف المتظاهرين المشاركين فى أعمال التخريب والعنف التى حدثت فى المحلة بالفئة المندسة ولم يكن هذا الوصف غريبا لعدد من الأسباب أبرزها السببين التاليين:

1) السياسة البوليسية التي تتبعها الحكومة المصرية والتي تتجه إلى تعطيل جميع الوزارات حال وقوع أي حدث جماهيري اللهم إلا وزارة الداخلية ، فالأحداث الجماهيرية إذا اتفقت والسياسة العامة للدولة كما حدث بعد فوز مصر بكأس الأمم الإفريقية كان هؤلاء الجماهير (القاعدة العريضة للتنمية المستمرة) رغم وقوع الكثير من أحداث التخريب والنهب خلال تظاهرات المحتفلين بالنصر العظيم! أما إذا حدث غير ذلك فهم (الفئة المندسة) حتى وإن كانت تلك الفئة المندسة بحجم شعب كامل ، فربما تكون المحلة الكبرى كلها مدينة مندسة على دولة الحزب الوطني حسب تعبير أحد الصحفيين ، فلم تتعود الحكومة المصرية أن تدرس حالة الشارع وتبحث مشكلاته ، حتى بعد وقوع الكارثة انتقل رئيس الحكومة إلى الفئة الأعظم تأثيرا فى مدينة المحلة وهم عمال شركة مصر للغزل والنسيج لا لبحث مطالبهم ولكن توجه مقدما بين يديهم نوعا من الرشاوى السياسية ممثلة فى مكافأة تعادل شهرا من المرتب لعدم تجاوبهم مع (الفئة المندسة)

2) الموقف المراوغ الذي اتخذته القوى السياسية المتواجدة على الساحة فى مصر سواء الأحزاب المهمشة سياسيا أو جماعة الإخوان المسلمين فقد لجأت جميع هذه القوى إلى تبرئة ساحتها مقدما بعدم الاشتراك فى الإضراب العام بل وربما أدانته بعض تلك القوى بعد التهديدات العلنية التى تضمنها بيان وزارة الداخلية صباح الخامس من إبريل وجاء انسحاب بعضها من انتخابات المجالس المحلية كجماعة الإخوان المسلمين التى قاطعتها ولجأت إلى القضاء لإثبات بطلانها بمثابة الخروج التام من دائرة الأحداث ، فلم يعد ثمة ما يدعو تلك القوى للقيام بمثل هذه الأعمال ، أما عمال شركة مصر للغزل والنسيج فقد حالفهم الحظ السعيد بعد أن قدمت لهم الدولة دليل براءتهم من تلك الأعمال على طبق من ذهب ، وذلك على النحو التالى..

* أمنيا : بيان وزارة الداخلية أرهب الجميع وجعل العمال يتراجعون عن فكرة الإضراب التى شاركوا وبشدة فى الدعوة إليها منذ منتصف مارس.

* إعلاميا : تسابقت أجهزة الإعلام التابعة للدولة إلى إبراز مظاهر فشل الإضراب كما تشتهى الحكومة وتسعى إليه فتوجه التليفزيون المصرى إلى شركة مصر للغزل والنسيج صباح السادس من إبريل وقام بتسجيل بعض اللقطات التى أكد فيها بعض العمال ممن أحبوا أن يشاهدوا أنفسهم فى نشرة الأخبار ما أملاه عليهم الإعلاميون التابعون للنظام من أنهم لن يتجاوبوا مع من يدعون إلى الإضراب لما له من أثر خطير على سير العمل ومعدلات التمنية و... ، ورغم أن تلك الفبركة الإعلامية غير محكمة ( خاصة أن عمال الشركة قاموا من قبل بإضرابين للحصول على حقوقهم ولم يحصلوا عليها بعد مما يجعلنا نتأكد أن عدم اشتراكهم فى الإضراب ليس اختياريا بل هو محض خوف من بيان الداخلية ) إلا أنها عند إذاعتها ألزمت الحكومة بذلك الموقف تجاه عمال الغزل الذين تمسكوا أيضا به رغم أن أعمال الشغب التى اندلعت فى المحلة بدأت فى الرابعة والنصف عصرا سواء فى اليوم الاول أو اليوم الثانى أى بعد خروج وردية الشركة بنصف ساعة.

وبالتالى لم يتمكن الحزب الوطنى من إلصاق التهمة بالقوى المتواجدة على الساحة سواء الأحزاب أو الإخوان أو العمال ، بل إن أصابع الاتهام تشير – فيما تشير إليه – إلى بلطجية النظام الذين يستعين بهم دائما فى الانتخابات التشريعية والمحلية ، وخاصة أن تلك الأحداث وقعت قبل الانتخابات المحلية مباشرة.

كل هذا دفع الأمن والحزب والحكومة إلى وصف المتظاهرين فى المحلة الكبرى بالفئة المندسة لا لشيئ غير عجزها عن إلصاق التهمة بقوى سياسية أو عمالية معينة.

 كيف بدأت الأحداث؟  ولماذا تفاقمت؟ وكيف انتهت؟
...محاولة للفهم..

أولا : كيف بدأت الأحداث؟
البداية كانت مفاجئة للجميع بلا استثناء ، وأنا لا أتحدث عن أحد خارج حدود المدينة ، بل أتحدث عن أهل المدينة أنفسهم ، فقد كانت الأحداث فى بدايتها مفاجئة لأهل المدينة ، ومفاجئة لرجال الأمن ، بل ومفاجئة للمتظاهرين أنفسهم !! فالمفاجأة كانت لجميع الأطراف..
* أهل المدينة .. وسوف أتحدث عن نفسى باعتبارى أحد سكان المدينة ، فقد سار يومى بصورة طبيعية ولكننى تخوفت من الخروج إل عملى (وأنا لا أعمل بالحكومة) خشية أن يعترضنى أحد رجال الأمن وخاصة بعد الضجة الإعلامية التى سبقت ذلك اليوم ، والتزمت منزلى وجلست إلى جهاز الكمبيوتر أنجز بعض الأعمال الخاصة بى ولما فرغت منها بدأت فى الاستمتاع ببعض ألعاب الكمبيوتر.. وفجأة .. وبدون سابق إنذار .. فوجئت بالشوراع تنتفض رعبا من أمر ما لم أدركه إلا بعد أن خرجت لأتبين ما الحدث ، وما أن خرجت حتى فوجئت بقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الأعصاب تلقى بكميات كبيرة فرجعت إلى مسكنى هلعا مما يحدث ولم تمر دقائق حتى عاد والدى إلى المنزل يحمل إلينا أخبار احتراق القطار بالقرب منا ، فقد كانت الأحداث مفاجئة لى ولمن هم فى محيطى إلى أقصى درجات المفاجئة ، ولئن تمكنت من التعرف على ما حدث بعد حدوثه بدقائق بحكم موقع مسكنى إلا أن كثير من أصدقائى ومعارفى الذين آثروا التزام منازلهم فى ذلك اليوم مثلى لم يتعرفوا على ما حدث إلا من نشرات الأخبار وقام عدد منهم بالاتصال بى للتأكد من صحة ما حدث حيث قرب منزلى من المناطق التى جاءت صورها فى النشرات ، وتوالت الأخبار بإحراق المدارس والمحلات التجارية والبنوك وعربات الأمن والعربات الخاصة ومهاجمة أهالى منطقة المحجوب لقسم الشرطة وإلقائهم قنابل المولوتوف – سهلة الصنع – على عربات الأمن المركزى ومدرعات القوات الخاصة وإحراق بعضها ووقوع عشرات المصابين والقبض على المئات وربما أكثر من ذلك على خلاف نشرات الأخبار التى لم تتجاوز فى تقديراتها للمقبوض عليهم الرقم 350. فقد كان ما حدث بمثابة المفاجئة الغير المتوقعة لأهالى المدينة.
* رجال الأمن : رغم الاستعدادات الأمنية الرهيبة التى تبرعت بها وزارة الداخلية لمنع أى أحداث شغب قد تحدث فى ذلك اليوم إلا أننا شاهدنا ما لم يسرنا وهذا يدفعنى للحديث فى نقطتين غاية فى الأهمية والخطورة ..

1) تمثل عنصر المفاجئة لرجال الأمن فى رد الفعل غير المتوقع للمتظاهرين الذين بدأت مسيرتهم بصورة سلمية عندما انهال عليهم رجال الأمن ضربا وسبا بأقذع الشتائم وأكثرها إهانة وتعرضا للشرف والعرض والأهل – كالعادة – إلا أن رد الفعل من الجماهير هو الذى لم يكن عاديا حيث بلغت درجة استثارتهم إلى الحد الذى لا يسمح بضبط النفس وما كان للعنف هذه المرة أن يتولد عنه الخضوع والرضا بالإهانة ، فما كان له أن يولد غير العنف ، وقد ذكر لى ممن اشتركوا فى تلك الأحداث الأولى ( لو حد شتمك بأمك وقال لك : أمك ( كذا ) هتعمل إيه ؟ هو ده اللى حصل ، وهما اللى بدأوا ) وقد وضعت كلمة ( كذا ) بين القوسين لتضع أنت مكانها صنفا من الشتائم يمكن لك أن تتخيله وربما صنفا لا يجود خيالك عليك به.

2) يبدو أن رجال الأمن المركزى ليس لديهم القدرة على مواجهة أية أعمال شغب كبيرة من شأنها أن تزعزع الاستقرار ، فرغم تواجد تلك الأعداد الضخمة من عربات الامن المركزى والمدرعات تمكنت تلك الشرزمة القليلة فى مكان لا يبعد عن ميدان الشون الذى يمثل قلب المدينة والذى تتمركز فيه أغلب القوات من إيقاف القطار وإحراقه ، بل تمكنوا من تكسير أغلب المحلات التجارية التى تقع فى ميدان الشون نفسه!

من وجهة نظرى الشخصية .. هذا الأمر يرجع إلى عدم إيمان الحكومة بقدرة المواطنين على فعل أى شيئ ، وعدم قدرتهم على مواجهة الخوف الذى تفرضه وزارة الداخلية وبالتالى فإن فالتحركات الأمنية هى محض إرهاب للشعب ولا تقوم على أية استعدادات أمنية حقيقية مدروسة ، فعربات الأمن إذن لم تنتشر فى المحلة وغيرها من مدن الجمهورية من أجل الحفاظ على الأمن الذى فشلت فى أول محاولة تخريب فى الحفاظ عليه وإنما من أجل إرهاب المواطنين ، وهذا يدفعنى لدعوة الحكومة إلى أمور هامة..
** ضرورة عمل مراجعات أمنية على أعلى مستوى.
** التعامل مع المواطنين بشيئ أخر غير قوات الأمن يمكن أن يضمن لهم حقوقهم بل ويضمن لها استمرارها إن أرادت أن تستمر دون حدوث عصيان مدنى كبير فى مصر.
** أن يتم عرض فيلم (شيئ من الخوف) فى أول اجتماع لمجلس الوزراء للاستفادة منه وعدم الوصول إلى نفس النهاية !!

* المتظاهرين : إذا كانت تلك الأحداث مفاجئة لأهل المدينة ، وكذلك لرجال الأمن فهذا الأمر يمكن أن نتفهمه بسهولة ، أما أن تكون مفاجئة للمتظاهرين أنفسهم فهذا ما لا يمكن قبوله بسهولة ، وخاصة بعد النغمة السائدة التى تردد أن ما حدث كان مخططا له على أعلى مستوى..

ولكننى أتساءل ، من هؤلاء الذين خططوا ونظموا ، وما مصلحتهم ، وإلام يدعون ؟ وغيرها من التساؤلات التى لا يمكن أن نجد لها إجابة فى ضوء أمرين
الأول: إصرارنا أن ما حدث كان مخططا له على أعلى مستوى.
الثانى: عدم القدرة على إلصاق التهمة بأى قوى سياسية محددة ، للأسباب التى وضحناها فى بداية الحديث ، أضف إلى ذلك أن من شاهدناهم على شاشات التلفاز لا تظهر علي أفعالهم أمارات التنظيم والتخطيط الجيد حيث كان من السهل على أى شخص أن يلتقط لهم الصور وبمنتهى السهولة ، فمن الواضح أن خبراتهم السياسية تساوى صفرا مع الاعتذار للصفر!

فمن الواضح أن هؤلاء المتظاهرين فئة غير متجانسة تنظيميا ، يجمعهم شيئ واحد شاهدنا جميعا آثاره المدمرة ، وهذا ما يدفعنى للقول إن ما حدث كان مفاجئا للمتظاهرين أيضا الذين خرجوا عن سيطرة الأمن فقاموا بعدة تصرفات غير مسؤولة كإشعال النيران فى الإطارات أمام القطارات مما اضطر سائق القطار للتوقف خشية حدوث ما لا تحمد عقباه ، فوجدوا صيدا ثمينا يتمثل فى القطار وركابه فتفاقمت الأمور بشكل كبير ومفاجئ للجميع بما فى ذلك المتظاهرين أنفسهم.

ثانيا : كيف تفاقمت الأمور؟

هناك بعض العوامل الديموجرافية التى وصلت بالأمور إلى تلك الدرجة من التصعيد ، تختص بعض تلك العوامل بطبيعة المكان ، وتختص بعضها بنمط السكان فى مدينة المحلة الكبرى..

1) بالنسبة لطبيعة المكان: المحلة الكبرى من المناطق التى يصعب السيطرة عليها أمنيا ، ولكى أقرب الصورة أسترجع معك بعض ذكرياتى مع المظاهرات التى كنا نقوم بها فى المدرسة الثانوية مع بداية انتفاضة الأقصى..

كنا نجتمع وبصورة عشوائية أمام مدرسة طلعت حرب الثانوية العسكرية ، وكان بعض زملائنا يقومون برسم علم إسرائيل ثم نقوم بإحراقه ، وما هى إلا لحظات وتبدأ المطاردات بيننا وبين رجال الأمن التى كنا نسعد بها كثيرا حيث نقوم بالجرى إلى داخل الشوارع الضيقة التى يصعب على رجال الأمن ملاحقتنا خلالها ونستمر فى هتافاتنا إلى أن نصل من خلال تلك الشوارع إلى منطقة (إِسُّو) التي أحرق القطار فيها في أحداث المحلة السابقة فما يكون من رجال الأمن محدودي الذكاء إلا أن يحاصرون منطقة الجمهورية بأكملها من الخارج من ناحية الشارع العمومي دون أن يتمكنوا من الدخول إلى المنطقة حتى يقوم بعض الصبية من محبي الشغب بجمع الحجارة المتراكمة على السكك الحديدية وينهالون بها على رجال الأمن الذين لا يستطيعون التعامل معهم في الشوارع الضيقة التي يحتمون بها.

هذا بالضبط ما حدث مع المتظاهرين في السادس من إبريل فبعد أن انهال عليهم رجال الأمن بالسب والضرب كما أشرنا أفلت الموقف من نطاق السيطرة واحتمى المتظاهرون بمنطقة الجمهورية حتى وصلوا إلى منطقة إسو التي يصعب على الأمن اقتحامها ، وهذا ما دفع رجال الأمن لإطلاق القنابل المسيلة للدموع والطلقات النارية على تلك المناطق مما تسبب فى مقتل الصبي (أحمد على) الذي كان ينظر من شرفة منزله في الدور الرابع على مسافة تبعد عن الشارع العمومي قرابة الخمسين مترا ..

وهذا التصعيد المبالغ فيه من ناحية الأمن أغرى الصبية الصغار الذين لا تتجاوز أعمارهم خمسة عشرة سنة للمشاركة فى ذلك الأمر الذي لم يألفوه ، وقد سمعت أحدهم يهتف فرحا (شاركت في المظاهرة ، شاركت في المظاهرة ) ، أضف إلى ذلك بعض العوامل النفسية التي تدعوا الكثيرين للمشاركة في ذلك حيث إن المواطن المصري تربى على أن يخاف من الأمن فما بالك بفرصة ذهبية متاحة له أن يخرج كبت السنين ويحطم عربات الأمن.

وأسوق لك موقفا رأيته رأى العين ولك الحكم .. فقد سمعت مجموعة من الصبية الذين أعرفهم بالشكل ، إنهم أبناء الجيران الذين طالما أزعجونى بصوتهم العالي وهم يلعبون الكرة والاستغماية ، لم يكن الحديث الذي يدور بينهم حول تقسيم الفريقين هذه المرة ، بل كانوا متحلقين في دائرة تضم حوالي عشرة منهم او يزيد وكان أحدهم يقول بلغة الأطفال وبحماس الفرسان وبحكمة المقاتلين ( احنا طلعنا عليهم من الشارع ده مرتين ممكن يكونوا مستخبيين لنا على الناصية ، أحنا نضحك عليهم ونطلع من الشارع بعد بعد اللى جاى ونجهز الطوب فى إيدينا ونهجم عليهم فجأة ونرجع جرى ، وكل شوية نطلع عليهم من شارع شكل !!! ).

بالله عليك هل هذه الصورة التى وصلتك على خلفية الوضع المتفاقم وراء النيران التى شاهدتها عبر القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية تنبئ عما أسموه تخطيطا محكما لفئة مندسة؟!

2) بالنسبة لطبيعة السكان: بداية وقبل أن تطوح بك الظنون لتحكم على مدينة المحلة الكبرى بأنها بلد البلطجية واللصوص أحب أن أشير إلى أن ما سوف أقوله عن طبيعة السكان لا ينطبق على أغلب سكان المحلة ، بل إن أغلب سكانها يتسمون بالطيبة التي يتميز بها أهل مصر المحروسة فى كل مكان من أرضها ولكني أتحدث عن أماكن لتجمع الخارجين عن القانون كسوق اللبن والرجبي مستغلين طبيعة تلك الأماكن التي يصعب على الأمن دخولها لضيق شوارعها واتسامها بالعشوائية في تخطيط تلك الشوارع مما يسهل على هؤلاء مراوغة الشرطة.

وهذا يجعل تلك الأماكن العشوائية – حالها حال العشوائيات فى أى مكان – معقل للصوص والهاربين من الأحكام القضائية ، ولعل قرب مدرستى عبدالحى خليل وطه حسين من بعض تلك المناطق أدى ببعض محبى الشغب واللصوص محترفى الإجرام إلى اقتحامهما وسرقة ما بهما من أجهزة الحاسب الآلى وغير ذلك.

وأختم هذه النقطة بتأكيدى أن الأمور التى تفاقمت بصورة كبيرة ما كان لها أن تصل إلى تلك الدرجة إلا بعد الاستفزازات الأمنية المستمرة والتعامل غير المدروس الذى لا يقوم على مراعاة الجانبين التى أشرت إليهم (عنصر المكان ن والعنصر السكانى) وأعود لدعوة الحكومة مرة أخرى إلى عمل مراجعات أمنية على أعلى مستوى.

كيف انتهت الامور؟

يبدو أن الإعلام المصرى احترف التزوير والنفاق ، وهذا الأمر أقرره الآن دون أن أكون مبالغا ، فإن الصورة التى حملها إلينا قطاع الأخبار المصرى كانت مجالا خصبا للسخرية من كل أبناء المدينة الذين شاهدوا الاحداث بأنفسهم ، منذ بداية الأحداث إلى نهايتها ..

فقد حرص الإعلام المصرى على نقل وقائع الجلسة التى دارت بين رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف وبين عمال المحلة ، وحرص على إبراز اللقاء بصورة ودية عن طريق عدم إظهار رجال الأمن فى خلفية اللقاء ، وأنا أرجح وبشدة دون أن أجزم أن الكثيرين ممن رأيناهم يهتفون فى هذا اللقاء ليسوا من عمال المحلة بل هم من رجال الحزب الوطنى ، أما ما أنا متأكد منه ورواه لنا عمال الشركة أن الذين دخلوا هذا اللقاء تعرضوا للتفتيش الصارم والمضايقات الامنية والتحذيرات والتهديدات ، والإغراءات وغير ذلك من أساليب الضغط النفسى ، وغير النفسى بغية ظهور اللقاء بهذا الشكل الودى الذى شاهدناه فى نشرة الأخبار .

ولكن ... هل كانت هذه هى النهاية كما صوروا لنا ؟

لم تكن نهاية على الإطلاق ، بل كان هذا القرار غير المدروس بداية لمشكلات أخرى أضافت إلى المشهد فى المحلة أبعادا أخرى من التوتر ، فعلى سبيل المثال منح د/نظيف عمال المحلة شهرا كاملا ومنح عمال الغزل من غيرهم نصف شهر ، فقام عمال شركة النصر للغزل والنسيج فى المحلة الكبرى باعتصام للحصول على بقية الشهر! فاستجابت لهم الحكومة فورا ، وبالطبع لم ينشر الإعلام هذا الخبر حتى لا تكون رسالة واضحة لكل العاملين فى القطاع الحكومى بأن يقوم بالاعتصامات للحصول على المنح والهبات التى تقدمها الدولة.

ملاحظة : حتى هذه اللحظة التى أكتب فيها والإعلام يحاول أن يؤكد أن ما حدث كان خروجا عن المألوف من قبل القلة الخارجة عن القانون ، والذى دعانى لكتابة هذه الملاحظة أننى قمت لعمل كوب من الشاى ، وبينما انا أقوم بإعداده سمعت نشرة أخبار السادسة تخبرنا أن د/صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى يشكر عمال المحلة ويؤكد ان ما حدث كان .. وكان .. وأن الأمور فى المحلة عادت إلى مجاريها ، عل خلاف الوضع الواقع بالفعل ، فشارعى الذى أقطن فيه حتى هذه اللحظة لم تغادره مدرعة القوات الخاصة رغم أنه شارع جانبى ربما لم تدخله عربة الشرطة الصغيرة (البوكس) من قبل .

المحلة حتى هذه اللحظة تغلى ، وخاصة بعد أن قامت قوات الشرطة العاجزة عن القبض على المتهمين الحقيقيين بإلقاء القبض على عدد غفير من سكان المدينة وخاصة الشباب الصغير الذى لا يتجاوز عمره الثامنة عشر أى طلاب الثانوية العامة العائدين إلى منازلهم من الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية وطلاب الجامعة العائدون من جامعة طنطا وجامعة المنصورة وجامعة كفر الشيخ ، وأعرف بعض من تم إلقاء القبض عليهم يقولون لنا وقد أفرج عن بعضهم ، تم التحقيق معنا دون محامين وكان وكيل النيابة يملى المحضر بالكامل الأسئلة والأجوبة على السواء ويبرئ من يريد ويدين من يريد ، وحسبتا الله ونعم الوكيل.

وقالت لى أخت هذا الشاب أثناء تواجدى معها أمام قسم الشرطة فى محاولة إخراجه (عساكر الأمن المركزى دول لهم شغلتين ما لهمش تالت .. يعاكسو البنات الصبح ويقبضوا على الطلبة بالليل).

فهل يهدأ الوضع في المحلة ومئات الأبرياء وربما أكثر من ذلك ما زالوا متواجدين في قسم الشرطة دون ذنب ، والآلاف من أهاليهم يعتصمون أمام أقسام الشرطة ، ومنذ قليل كنت على الهاتف مع أحد زملائى وأخبرنى أن أخيه أصيب أثناء محاولته تصوير تلك الاحداث بالتليفون المحمول بطلقة مطاطية فى قدمه.

فهل بعد كل هذا يهدأ الوضع فى المحلة ، ربما تريد الحكومة له أن يهدأ ، ولكن الواقع لا يمكن أن يكون هكذا ، ومما يؤكد أن هدوء الأوضاع في المحلة عبارة تلفيق وكذب الجريمة التى ارتكبتها قوات الامن صباح يوم الجمعة 11 / 4 / 2008 ، حيث احتجزت عدد من أساتذة الجامعات الذين جاءوا إلى المحلة للاعتصام حتى ينتهى الحصار الأمنى المفروض على المدينة ، وألقت القبض على مصور وكالة رويترز للأخبار ، فهل بعد كل هذا نقول إن الأمور هدأت ، والوضع مستقر ، وتحت السيطرة ... إلى أخر تلك العبارات التى حفظناها عن ظهر قلب؟!
كلمة أخيرة..
إن ما حدث فى مدينة المحلة الكبرى نذير شديد بالخطر ، فالأوضاع الإقتصادية والاجتماعية التي تجتاح الشارع المصري تؤذن بكارثة حقيقية ، فها هى الشرارة الأولى للثورة المتوقعة ، ثورة الجياع التى لن تبقى ولن تذر إذا هى قامت ، ولا يمكن لنا أن نتنبأ بنتائجها لأنها سوف تكون ثورة من نوع جديد لم تشهدها مصر من قبل ، فالثورات الأخيرة التى شهدها القرن لماضى سواء ثورة 1919 م ، أو ثورة 1952 م كانت ثورات يحركها الفكر ، فكان الثوار يعرفون ماذا يريدون تحديدا ، ويتجهون إلى أهداف محددة ، أما الثورات التى تحركها البطن لا تعرف لها وجهة ولا أهدافا ، فالجوعى يبتلعون ما بطريقهم ، فإذا استعصى عليهم قاموا بتحطيمه كى يسهل عليهم ابتلاعه! وهم فى النهاية لا يعرفون ما يريدون .. وأعتقد أننا رأينا ذلك بوضوح على وجوه المتظاهرين فى المحلة الكبرى

أحداث المحلة .. مالها وما عليها..
 رغم ما ينتابنى من الحسرة والألم على ما آلت إليه مدينتى (التى كانت جميلة) إلا أننى ورغم كل ما يؤخذ على تلك الفئة غير الواعية أتلمس بصيصا من النور فى تلك الأحداث ، فربما تكون بداية للمقاومة الشعبية ضد المستبدين من حكام هذا الشعب ، وربما تكون درسا لهؤلاء المستبدين لكى يراجعوا أنفسهم قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه وهذا هو ما أتمناه انا شخصيا..

إمضاء..

محلاوى خايف على مصر
إبريل 2008

الثلاثاء، 19 يناير 2010

الجدار الخازى !

الأزهر بين الجدار والعار



هذا عنوان دراسة فقهية للأستاذ الدكتور

 صلاح الدين سلطان

أستاذ الشريعة الإسلامية - كلية دار العلوم - جامعة القاهرة
عضو الاتحاد العالمى لعلماء المسلمين
عضو المجلس الفقهى لأمريكا الشمالية
عضو مجمع الفقه الإسلامى بالهند
عضو المجلس الأوربى للإفتاء والبحوث
الرئيس السابق للجامعة الإسلامية الأمريكية - ديروت





وفى البحث وشرحه على قناة الأقصى الفضائية تفصيل لا يحتاج إلى مزيد بيان من مثلى فلن أعقب فى تلك الصفحة ولنا لقاء فى صفحة التعليقات لنناقش ما جاء فى بحث أستاذنا الدكتور / صلاح الدين سلطان


فى انتظاركم !
أحمد داود