عفوا .. لن أدافع عن الديموقراطية
أدعوك فقط أن تسدل ما رفعته من أطراف ملابسك على ذراعيك بعد أن دفعك العنوان " للتشمير" وتعيد حاجبيك إلى ما كانا عليه من فرقة قبل " التكشير " !
ربما تتهمنى الآن بأننى سلفى بعد هذا الهجوم - فى وجهة نظرك - على قداسة الديموقراطية ، ربما .. هذا إن صح أساسا وصْفُ السلفية بالتهمة ..
ولكن أطمئنك إن كنت من المصابين بالسلفوفوبيا أنا لا أنتمى إلى " التيار السلفى " وإن كنتُ سلفى العقيدة ..
لن أطيل النفس فى تلك الجزئية ، ولكنى أثرتها لصلتها بالموضوع بل وبكل موضوع للأسف الآن ولأزعم أيضا على إثرها أننا فى حاجة إلى ضبط موضوعى لكافة المصطلحات التى نتداولها الآن من دولة مدنية ودولة دينية وغيرهما بل نحتاج لضبط للمفردات التى تتكون منها تلك المصطلحات .. مدنية . دين . دولة !
من المؤكد أنك سمعت من بعض الكتاب الموضوعيين أو أشباههم أو مدعى الموضوعية بعض التنظيرات التى قد تختلف فيما بينها .. وربما مصطلح الديموقراطية أيضا ناله نصيب كبير من تلك التنظيرات التى يصعد بعضها بالديموقراطية إلى درجة القداسة ويجعلها البعض حراما وبدعة ويقف آخرون على مسافات متفاوتة فى القرب والبعد من التقديس والتبديع .
أنا لن أدافع عن الديموقراطية .. بل وربما أهاجمها .. !
حسب تلك الديموقراطية ..
فهناك صنف من الديموقراطية أهاجمه ,,
وصنف آخر لا أهاجمه ، ولا أدافع عنه ....
أظن الأمر اتضح الآن للبعض ممن ربطوا بين حديثى عن ضبط الاصطلاحات وبين مفهومهم عن الديموقراطية ، ولمزيد من التوضيح أقول وبالله التوفيق
انا كمتبنٍ لمشروع نهضة إسلامى المرجعية والنكهة والهوية ، لا أقدس ما أنتجته ( العقيدة الديموقراطية ) ولكنى أقبل بها كآلية تنفيذية لتحقيق الشورى التى (أعتقد) فيها ، والتى تتعدد آليات تطبيقها ، والآلة الديموقراطية إحدى تلك الآليات ..
إذن أنا أهاجم الديموقراطية كعقيدة ، ولكنه هجوما ديموقراطيا !! ، بمعنى أنك لك كل الحق فى أن تعتقد فيها ، بل ولك لك الحق فى أن تنتقدنى وتنتقد مشروعى الإسلامى طالما لا تصادر على حقى فى عرض بضاعتى ونقدك فى جو من الشورى أو الديموقراطية إن اردت أن تسميها ..
أظن أنى أجبت على سؤالين من ثلاثة أسئلة على الأقل تبادرت إلى ذهنك الآن .. فقد أوضحت ما الفرق بين الديموقراطية التى أهاجمها والديموقراطية التى لن أدافع عنها ، واوضحت لماذا أهاجم الديموقراطية التى هى عقيدة ترى أن النظام العالمى الحالى هو قمة التطور وأنه نهاية العالم فلا سبيل إذن عند معتقديها إلى وجود عقيدة سياسية أخرى صالحة مع ديموقراطيتهم او عقيدتهم ..
وبقى سؤال .. لماذا لا أدافع عن الأخرى طالما أنى لا أهاجمها ، وفى الحقيقة هناك سببان أساسيان :
الأول : الوسائل لا يُدافع عنها ولا تهاجم لذاتها ، فالوسائل فى الفكر الإسلامى تأخذ حكم مقاصدها ، ليس كما يقول البعض بأن الغاية تبرر الوسيلة ، كلا ، بل لابد من نبل الغاية والوسيلة معا ، ولكنى أتحدث عن صنف من الوسائل التى لا يمكن وسمها بنبل أو بخبث لذاتها ، فمثال ما أقول أن السكين يحرم استعمالها فى القتل ويباح فى الذبح ، أما استخدام الكذب فى السياسة مثلا لأجل تحقيق مكاسب فلا يجوز الفكر الإسلامى لأن الغاية لا تبرر الوسيلة فى الفكر الإسلامى .
والديموقراطية أشبه بمثال السكين ، تأخذ حكم الغاية ، فإن كان الغاية منها تحقيق الشورى فاستخدامها يدور بين الحرمة والإباحة والوجوب ، الحرمة إن أمكن استخدام وسيلة خير منها ، والوجوب فى حالة عدم التمكن من اللجوء لآلية أخرى للشورى والإباحة إن تساوت مع غيرها جاز استخدام أحد الآليات وترك الأخرى ..
وأرى أن الديموقراطية انطلاقا من هذا التنظير هى آلية ، حتى وإن لم نجد غيرها الآن فمن الطبيعى جدا أن نجد وسيلة أفضل فى المستقبل ، والخلاصة أن الديموقراطية ( كآلية ) لهذا السبب ليست مما يدافع عنه عنه أو يهاجم لذاته .
الثانى : كيف لى أن أدافع عن الآلية الديموقراطية وأنا أرى بأم عيني أن كبار الداعين للديموقراطية كآلية وفلسفة وعقيدة وربما كدين أيضا ! أراهم ينقلبون عليها ، فالعقيدة الديموقراطية فى أبسط معانيها هى حكم الشعب لنفسه ، عن طريق الانتخابات وحكم الأغلبية ، دون وصفها بفسق أو إيمان ، بجهل أو علم ، فقط الأغلبية ، ولهذا ضاق بها الإسلاميون ، لأنها تعنى الموافقه على أى قانون مهما خالف أى شيئ ، فنجد التصويت على قانون إباحة الشذوذ هناك وقانون تحريم الحجاب هنالك .. وبالتالى فهى حكم أو تحكيم الهوى.
وقد آن الآوان للديموقراطيين أنفسهم أن يضيقوا بعقيدتهم التى تبيح للأغلبية فعل ما تشاء طالما أنها أغلبية ، وبالتالى كانت الآلة الديموقراطية ترجمانا لتلك العقيدة
فحين وسموا 77.2 % من أصل 18.000.000 مصوت بالجهل السياسى والبساطة الفكرية ، بل وبالسذاجة والجهل المطلق عند بعضهم كان ذلك هو عين الهجوم على الديموقراطية ، قبل أن يكون هجوما على الشعب المصرى الذى شهد العالم بعبقريته. قد أدافع عن الشعب الذى أنا أحد أفراده ، قد أدافع عن الـ 77.2% الذى أنا أحد مكونيها.ولكنى لن أستطيع أن أدافع عن الديموقراطية لأنها تعنى أنه إذا فرض وأن الأغلبية بالفعل جاهلة أو ملحدة تحكم البلد بالجهل والإلحاد ، وإن دافعت أحيانا عن الآلة الديموقراطية أدافع فقط عن العقد الذى هو شريعة المتعاقدين وليس عن الآلية الديموقراطية نفسها .. وقبل أن تتهمنى بالتناقض إذ إنى ذكرت من قبل ان الغاية لا تبرر الوسيلة ، أذكرك أنى لم أقل أنى سوف أهاجم الآلة الديموقراطية بل لها ما لها وعليها ما عليها ، وأنا أرى الآن أن الضرر الناجم عن التخلى عن العقد الديموقراطى الذى عقده الشعب فى الاستفتاء أكبر من الضرر الناجم عن البحث عن آلية لن تكون أكثر توافقا مع الواقع من الآلة الديموقراطية على الأقل فى تلك اللحظة .
ألخص ما قلته ..
أنا لا أؤمن بالعقيدة الديموقراطية ، أما الآلة الديموقراطية فاجتهاد بشرى ووسيلة تأخذ حكم مقاصدها ، وأراها - بعيوبها - هى الانسب للمرحلة ، وليس على الدوام ، ربما يظهر ما هو أفضل منها ، ربما تتماسك فترة طويلة جدا قبل أن ترثها آلية أخرى ، ولكن لابد لها أن تسقط لما سيستجد من تطورات لا يعلمها إلا الله شأنها شأن أى اجتهاد بشرى ، وتلك سنة ربانية ماضية لا تبديل فيها ولا تغيير .

0 آراء الزوار ( شرفنى برأيك ! ):
إرسال تعليق