أريد أن أتفق معكم فى البداية على نقاط اعتقد أنها الآن انتقلت من مرحلة السر الذى يعلمه الجميع إلى مرحلة الفضيحة التى لا يجهلها أحد ، وصارت كالمسيلمات التى لا ينكرها منصف ، وهى ..
أولا : لا يختلف الآن اثنان على أننا كنا نحكم من قبل عصابة منظمة لها منهاجية واضحة فى الإفساد والظلم والقهر .
ثانيا : شباب مصر بخير ، على الأقل فى السنوات القليلة التى سبقت الثورة والتى مهدت لها وخاصة على مستوى الوعى .. فقد انتقل شبابنا من أزمة الوعى ، إلى وعى الأزمة ، ثم إلى مبادرة حل الأزمة فكانت الثورة .
ثالثا : فى ظل النقطتين السابقتين يمكن لنا أن نرسم علاقة شديدة العداء بين الآلة التى تتعامل بها (العصابة) مع العدو الحقيقى لها وهو تيار الوعى الذى تحول الآن إلى تيار الخلاص .
رابعا : إذا كنا نطلق على الفئة الأولى لفظ (العصابة) وعلى الفئة الثانية لفظ ( تيار الوعى ) إلا أننا لا نتحدث عن عصابة بالمعنى التقليدى فهى عصابة لديها كل الإمكانيات العلمية والنفسية والتكنولوجية ، فى مواجهة فئة واعية قد لا تمتلك إلا الوعى بل تجاهد لمجرد الوصول إليه ..
فى ضوء اتفاقنا على ما سبق يمكن أن ننطلق
فالعصابة التى كانت تحكم البلاد تدرك إدراكا كاملا لخطورة امتلاك الشعب للوعى ، وفى إطار إدراكها لذلك لم يسعها إلا أن تشن حربا على كل من يحاول أن ينشر هذا الوعى بين الناس وخاصة الفئة القادرة على التغيير .. فئة الشباب ، فكانت الممارسات المختلفة بدءا من الحرب الفكرية وصولا إلى الممارسات القمعية والإرهابية مرورا بسلسلة منظمة وممنهجة من الوسائل الأخرى المختلفة ، ولعل من أكثر تلك الممارسات الممنهجة والتى اتخذت طرقا ووسائل شتى هو ما أردت أن أتحدث عنه تحت عنوان (دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية فى تكوين الاتجاه السلبى عن الذات ) ..
فالآلتان الإعلامية والتعليمية لهما موقع الصدارة فى الممارسات الفكرية الممنهجة التى تتبعها العصابة لقمع الوعى ، والاتجاه السلبى عن الذات هو أكثر ما يحقق بقية الأهداف الأخرى فى إطار " حرب الوعى"
الاتجاه :
ما الاتجاه ؟ يعرفه علماء النفس تعريفات مختلفة يمكن أن نستشف منها خصائصه التى أكثرها صلة بموضوعنا : أنه مكتسب غير متعلم ، أنه ثابت نسبيا ، أنه ليس هو السلوك ولكنه شعور عام لدى الشخص يشكل ما يقوم به من سلوكيات ، يتخذ صورتين ( صورة إيجابية وأخرى سلبية )
الذات : هى بكل بساطة فكرة الشخص عن نفسه
وبالتالى يكون " الاتجاه السلبى نحو الذات " هو الفكرة السئية السلبية التى يكونها الفرد عن نفسه بصورة مكتسبة يصعب تغييرها وتكوينها إذ إنها تتميز بالثبات النسبى .
الهدف من تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
أخطر ما فى هذا الأمر أن هذا الاتجاه يمثل – بعد تكونه – حربا على كل محاولة للتغيير والإبداع هذه الحرب يشنها الشخص على نفسه ، وبالتالى ينشغل الفرد أو ( المجتمع فى مجموع أفراده ) بحرب الصراع النفسى بين الوعى المغلوط والواقع المرير عن الحرب على الفساد أو محاولة تغيير الواقع .
آليات تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
أهم تلك الآليات هى الرسائل الفكرية ، والمؤسسة الإعلامية تليها المؤسسة التعليمية هى أخطر الآلات فاعلية فى هذا الصدد ولنلق نظرة على بعض الممارسات الإعلامية والتعليمية التى ساهمت فى تكوين هذا المفهوم
أولا : ممارسات الآلة الإعلامية
من العسير أن نحصر كل تلك الممارسات التى تفننت ( العصابة ) فى ابتكارها وتنويعها ، ولكن يكمن أن نعطى بعض الأمثلة التى توضح الفكرة العامة لتلك الممارسات لبيان أنها عملية ممنهجة وليست ممارسات فردية كما يحلو للبعض أن ينعتها الآن هروبا من الوعى الجديد إلى ازمة وعى جديدة .
أ ) الممارسات الصحفية :
ولست بصدد الحديث عن الصحف الحكومية المسماة زورا وبهتانا بالقومية فقط ، ولكنى أتحدث أيضا عن طائفة اخرى أكبر من الصحف التى تسمى زورا وبهتانا أيضا بالصحف المعارضة ..
1 – مهاجمة الفئات الواعية والتى تعمل على نشر الوعى عن طريق الصحف الحكومية والمعارضة على السواء التى ثبت الآن بالوثائق أن بعضها كان يتعامل مع أمن الدولة اليد الطولى للنظام البائد (العصابة) ، مع مهاجمة الصحف الحكومية الرسمية للصحف الحكومية المصطبغة بصبغة المعارضة والعكس ، فيجد الإنسان البسيط نفسه مذبذبا بين تيارات متشابكة من التشكيك فيفقد الثقة فى الجميع ، وصولا إلى فقد الثقة فى قدرته الشخصية على التقييم فيترك ( العيش لخبازينه ) وهو ما يريده النظام .
2 – ترك مساحة تضيق وتتسع للمعارضة الحقيقية حسب الظروف الأمنية ليس لاقتناع النظام بالديموقراطية ولا حتى بسبب الضغوط الأجنبية والخارجية والحقوقية فقد ثبت بما لا يدع مجالا لهذه التبريرات أن هذا النظام ( يخاف ما يختشيش ) ولكن لإقناع العامة بالمناخ الديموقراطى الذى تحياه البلاد ، فيفقد الثقة فى تيار الوعى وبالتالى لا يتجاوب معه .
3 – ترك مساحات واسعة لمعارضة حقيقية ولكنها لا ترسخ لوعى حقيقى .. كبعض التيارات السلفية التى لا يمكن أن نتهمها بالعمالة ، ولكنها تهاجم النظام بكل ما أوتيت من قوة ، وكذلك اتهاجم كل لمعارضين ، وهذا ما يجعلنا نفسر اتجاه الحكومة لفتح المجال أمام السلفيين وبعض اليساريين فقد تركت الدولة تلك المساحات لممارسة بعض حريتهم بصورة موسعة .
ب ) بالنسبة للمارسات التليفزيونية والسينيمائية ...
1 – الحرب المباشرة .. فالحرب المباشرة على بعض الفئات المعارضة التى تشكل بصورة أو بأخرى تيارا واعيا يتم محاربتها جهارا نهارا كما رأينا فى مسلسل الجماعة الذى شن فيه حربا على جماعة الإخوان المسلمين فى رمضان السابق بعرض تاريخ الجماعة بصورة مشوهة وكذلك واقعها بصورة غير منصفة ، وصولا إلى أزمة فقد الثقة من المعارضين بعد فشل الإعلام فى تثبيت الثقة فى النظام ، فيلعب على أزمة الثقة التى تنتقل كما أوضحنا إلى نزع ثقة المشاهد فى قدرته فى تقييم الأمور .
2 – الترسيخ لواقع نفسى سلبى .. فطائفة كبيرة جدا من الأفلام المسلسلات تتحدث عن الفساد السياسى بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع كما فى فيلم ( وش إجرام ) للفنان محمد هنيدى ، فقد تحدث عن فساد رجال الأعمال المزاوجين بين المال والسلطة وعلاقة ذلك بالبطالة والإرهاب بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع ، ثم فى نهاية الفيلم تقدم رسالة قوية مؤداها أنه ( ما باليد حيلة ) حين يتجه رجل الأعمال الفاسد إلى المطار بعد محاولة الظابط المخلص القبض عليه ووقوفه عاجزا أمام تليفون من مسئول كبير ، ووقوف الشاب يغنى ويردد جملة غاية فى السلبية وانعدام الوزن والقيمة والوعى ( ادينى الحقنة بسرعة أرجوك محتاجة الجرعة ) هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة يكون اتجاها سلبيا عن الذات يحول بين الشباب والفعل وهو ما يريده النظام .
3 – توجيه رسالة قوية من خلال عدد كبير من الأفلام والمسلسلات مؤداها أن الشباب فاسد وليس أهلا للثقة كمسلسل " الفاضلة يسرا " التى أوهمتنا أن الفتاة تغامر بمجرد نزولها إلى الشارع بشرفها والحديث عن الاغتصاب وكأنه ظاهرة متكررة فى كل شارع فى كل يوم ، وكذلك فيلم (أوقات فراغ ) الذى وجه رسالة مؤداها أن الشباب تدفعه البطالة إلى المخدرات والجنس ، وتصوير الشباب المصرى بالهمجية والتطرف والقابلية للاستهواء فى فيلم (حين ميسرة) ، وقد رأينا فى ميدان التحرير كيف أنه لم تسجل حادثة تحرش واحدة وسط الملايين المحتشدة ، ولم يتم استهواء الشباب من قبل القوى الخارجية كما ردد الإعلام المصرى ، أو يتم شرب المخدرات والترويج لها كما أشاعت العصابة .. أو غير ذلك من القيم السالبة التى دأب التليفزيون المصرى على ترسيخها فى إطار حديثه الشبه الموضوعى عن الفساد السياسى على طريقة دس السم فى الشهد .
ج ) بالنسبة للبرامج الإخبارية والحوارية :
لن أستفيض فى توضيح نماذج ولكننى أشير إشارة سريعة إلى الممارسات الإخيرة قبل الحادى عشر من فبراير .. فقد حرص التليفزيون المصرى على وصف المتظاهرين بصفات تفقدهم الثقة فى أنفسهم من خلال الإشادة برغبتهم فى التحول الديموقراطى - الذى طالما وصفوا النظام البائد بتحقيقه - مع التنبيه بأن من يحرك الأحداث هى فئات خارجية مندسة لتنفيد أجندات معينة ، فى محاولة لإفقاد الشباب الثقة فى جدوى ما يفعلون وفى تلقائية الثورة الشعبية الشبابية من أجل ( تكوين اتجاه سلبى عن الذات الجماعية الثورية ) وبالتالى التشكيك فى الأهداف والتنائج ، وكذلك استعداء جموع الشعب على الثوار حتى يجد الشاب نفسه متهما من قبل الأسرة والزملاء الأكبر سنا فى العمل فيقتنع أنه على خطأ ..
ثانيا : الممارسات التعليمية
الإهمال العام الذى لا يخفى على أحد فى القطاع التعليمى والنفقات المخصصة للبحث العلمى والعراقيل التى توضع أمام الباحثين كل هذا وحده يكفى لنزع الثقة من الطلاب والباحثبن فى قدرة بلادهم على النهوض بأى عمل عظيم .. ولكن لم تكتف العصابة بذلك بل أخذت تدس بعض البرامج التعليمية والممارسات الممنهجة التى ترسخ لهذا المعنى ، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
1 ) الأبنية التعليمية : هى بالطبع فى حالة يرثى لها وأظن أن الطالب الذى يدخل المدرسة أو الجامعة لا يجد لنفسه مكانا لمجرد الوقوف فيه للاستماع إلى المدرس أو الأستاذ الجامعى فإنه يتكون لديه شعورا بالإحباط وعدم جدوى ما يتعلمه بالكلية .
2 ) المناهج العقيمة المحتوى : فطالب اليوم ليس منغلقا على نفسه وعلى ما أمامه فى المجتمع ، فمقارنة الطالب المناهج التى تقدم له بما يقدم لأقرانه فى دول أخرى يجعله يشعر بالخزى وعدم القدرة على مواكبة العصر .
3 ) سياسة التقويم : فمن المعلوم أن التقويم يجب أن يشمل كافة الجوانب التعليمية ، ولكن لا يتم التركيز فى مؤسساتنا التعليمية إلا على الجانب النظرى اللفظى فقط مما يجعل مهمة الطالب هى جمع أكبر عدد من المعلومات لتفريغ بعضها فى ورقة الأسئلة ثم تفريخ الباقى فى أقرب سلة مهملات للجنة الامتحانات .
4 ) فصل التعليم عن العمل : فعلاوة على ما يعانيه الشباب من بطالة كافية وحدها أن تدمر طاقات الشباب النفسية نجد تعمدا واضحا لإشعارهم بعدم جدوى ما تعلموه بالجامعات ، كما فى حديث المحافظين عن إعادة التأهيل للأعمال الفنية واليدوية ، لدرجة أن الوزيرة السابقة للقوى العاملة عائشة عبد الهادى قالت إن خريجى الكليات النظرية يمكن أن يعملوا فى مجال شركات الأمن والخدمات .. أى ( خفراء ) هكذا .. كل الكليات النظرية بما تشمله من دراسات فى الأدب والفن والفكر والسياسة والإقتصاد والمسرح واللغات والديانات والتاريخ والجغرافيا وغيرها من المجالات العلمية المختلفة ... كل هذه المجالات وغيرها يتجه خيرة شباب مصر ممن أتقنها إلى العمل كخفراء أمام محلات الملابس والشركات الاستثمارية والفنادق والمولات ومحطات البنزين. فكيف تكون نظرة الشاب لنفسه عندما يسمع مثل هذا الكلام من وزيرة القوى العاملة غير الشعور بضآلة الذات وعدم جدوى العلم .
5 ) إهمال الجانب العلمى للمعلمين أنفسهم : فى كليات التربية وعدم الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والتطوير لمن هم فى الخدمة منذ فترة طويلة أو إجراء تلك البرامج بصور صورية حتى تصبح العملية التعليمية عمليه كرتونية مما يدفع الشاب فى فقد الثقة فى المعلم الذى يعتبره فلاسفة التربية ( جحر الزاوية فى العملية التعليمية ) .
وغير ذلك من الممارسات التربوية الممنهجة لتكوين هذا الاتجاه السالب عن الذات لدى الطلاب بل والمعلمين أنفسهم .
ملاحظة قبل الختام
..... ما بعد الثورة ......
لا يمكن لعاقل أن يتخيل أن التاريخ سيتغير بضغطة زر ، فالممارسات ذاتها ما زالت تمارس إلى الآن ، فمعدى البرامج مازالوا هم هم والمذيعين والفاسدين فى المؤسسات الصحفية والقائمين على شؤون التعليم فى معظم المراكز القيادية مازالوا بأماكنهم ، وقد رأينا تورط معظمهم فى قضايا فساد وتعاون مع جهاز أمن الدولة المجرم ، فهم الآن لا يدافعون عن النظام إنما الدفاع عن أنفسهم ، وهذا النوع من الدفاع يكون أشرس ، فلا نعجب مثلا من استضافة ركن النظام السابق المذيع خيرى رمضان للمجرم فؤاد علام ليتحدث عن أهمية جهاز أمن الدولة فى وقت تتم فيه حربا شعواء بين المواطنين والجهاز .. الحاكم الفعلى لمصر .. فيجب أن ننتبه ، فرياح التغيير هبت وما لها من دافع ولكن فلننتبه لبقايا النظام البائد الذين يمارسون الآن نفس العملية ولكن هذه المرة باسم الثورة .