السبت، 17 سبتمبر 2011

أحدهما ليس أنا

قيل إن فلتات اللسان تفضح مكنونات السرائر وتظهر مخبوءات الضمائر .. قلت : ليست وحدها ، هى واحدة مع أخريات توضح مدى المفارقة بين شخصين ،على الأقل، أحدهم ،على الأكثر، يظهر للناس ، كل هؤلاء يضمهم كيان يبدو واحدا ولا يعامله الناس إلا بصيغة المفرد يطلق عليه فى كل اللغات الإنسانية " إنسان".. والمحظوظ حقا هو ما يستطيع أن يتعرف أحدهما بداخله على الآخرين ، والسعيد من يجعل منهم جميعا أصدقاء ..
الطين يتمايل على أنغام الراب ..
نعم الطين :الإنسان فى أصل خلقته ، قدر لى أن أحضر حفل زفاف أحد أقاربى ممن باعدت بيننا مشاغل الدنيا ، أو ربما أبعدتنى أنا دونهم زخارف الحياة ، إذ إنهم من أولئك الذين ما زالوا يحتفظون ببعض ما خلفه الطين فى أصل خلقة الإنسان من إنسانية،
أحد الحاضرين وأنا أعرفه جيدا ، فلاح يرتدى العباءة الفلاحية ، عمل بالزراعة ومؤخرا عمل كخادم مسجد بوزارة الأوقاف ، كان الفرح صاخبا بينما هو لا يستطيع أن يخرج فرحته الطبيعية فى هذا الجو الذى هو أبعد ما يكون عن الطين الإنسان .. تابعته كثيرا حتى انتهى به الأمر إلى أن تمايل راقصا .. رقصة فضحت الصراع بين الطين وأنغام الراب ، والتى انتهت باستسلام الأول منهما للثانى استسلاما جزئيا ليفضح عورة كبرى من عورات الإنسانية ، فقد كانت رقصته دليلا على مرحلة وسطى مر بها الإنسان بين تماسك الطين وتمايل الراقصين ..
نقطة كبيرة وابتسامتان فاضحتان ..
قاعة ، ومنصة تضم عددا من الأساتذة الأجلاء ورؤساء أقسام متناظرة من كليات مختلفة بجامعات عدة ، تجلس أمامهم طالبة تفصل بينها وبين نيل درجة الدكتوراه دقائق معدودة .. إلى هذا الحد الموقف مثالى ومتسق ، إلى أن تقلب عينيك فى الحاضرين ، بعض دارسى نفس الفرع العلمى ممن حضروا ليتعلموا من الأساتذة والطالبة على السواء وكنت أنا أحدهم ، مع بعض الأساتذة مع ( كثير ) من أقرباء الطالبة وصاحباتها وجيرانها ممن جاؤوا فقط ليجاملوها فى تلك اللحظة التى قالت لهم إنها سعيدة .
يتململ أحد أقرباء الطالبة من طول فترة المناقشة فيخرج ليدخن سيجارة علها تأكل بعض الوقت مع تآكل آجزائها ، وأخرى ترتقب كلمة ،لا تعرف حروفها تحديدا ، كلمة تسعد ابنتها أو ابنة خالتها لتطلق زرغودة مجاملة قد لا تناسب الحرم الجامعى بقدر ما تناسب مفهوم مطلقتها عن الفرحة حيث  لا تعرف طريقة أخرى للتعبير عنها ..
عالمان مختلفان تمام الاختلاف ، ولكن فى لحظة من اللحظات يضطر ساكنوا أحدهما الولوج ولو قليلا فى العالم الآخر ، كانا رجلين يجلسان بجوارى ، يحاولان أن يخفيا ما تسرب لهما من شعور بالخزى مما ظنوه جهلا حينما لم يجدا طريقة للتواصل الذهنى مع ما اضطروا لسماعه ، حتى علق أحد الأساتذة على كلمة كتبتها الطالبة بطريقة غير سليمة بإضافة نقطة غيرت معنى الكلمة وأخلت بالمعنى إخلالا عميقا .. هنا بدأ الرجلان يتندران على هذا ( المفترى ) الذى لم يفوت ( النقطة ) .. وعندما انتبه أحدهما أنى أسمع ما يقولاه ابتسم لى ابتسامة فرددت عليه بابتسامة .. ابتسامته فضحت المسافة بين شعوره بجهل متوهم وبين رغبته فى التكيف مع عالم ليس عالمه ..  وابتسامتى فضحت المسافة بين شعورى بالشفقة على الخجل المختبئ وراء ابتسامته وشعورى بالضيق مما نال الأستاذ الفاضل من إساءة ناتجة عن صراع لا ذنب له فيه ...
هزة فارقة
ما ذنب الإنسان حينما يرسم الناس له صورة ذهنية تختلف عن حقيقته ؟ لمجرد أنه يبدو عليه التدين : لحية وبعض آثار السجود على وجهه ؟ ، ليس لأن تصرفاته تختلف عما يمليه عليه هذا الدين الذى ظهرت أمارات اعتزازه به على وجهه ، ولكن ربما لأن مفهوم غيره عن الدين يختلف عن حقيقة الدين أو على الأقل عن فهمه هو للدين .. 
كنت على سفر وأردت أن أسمع أغنية أحبها على هاتفى ، فوضعت سماعة الأذن لأستمتع بالأغنية ، الهئية والسمت كما قد يعرف الآخرون عنها لا ينبغى لها إلا أن تسمع خطبة أو درسا دينيا .. ولكن هذه الأشياء لا يسبب التأثر بها هزة منتظمة كتلك التى قد تفعلها أنغام الموسيقى بيديك أو رجليك عند سماعها ، انتبهت على نظرة من بجوارى إلىّ وأنا أهز قدمى طربا مما أسمع وكانت لنظرته معنى ، لا أتذكر أنى فكرت كثيرا فى معنى نظرته ، ولكن ما أتذكره جيدا أن قدمى لم تتوقف عن الاهتزاز !
أحدهما ليس أنا
"مأساة الحب الحقيقية أن الرجل يريد أن يكون أول من يدخل قلب المرأة ، والمرأة تريد أن تكون آخر من يدخل قلب الرجل " هذه الجملة كنت قد كتبتها منذ  ما يزيد عن  عام كحالة على الفيسبوك .. وكانت ،ولازالت، تلك إحدى قناعاتى .. ولكن ما الدور الذى تلعبه أمثال هذه القناعات فى علاقات الحب بعيدا عن التنظير ؟ 
حينما سألتنى السؤال القديم المتجدد مع كل قصة جديدة : هل أحببت من قبل ؟ وأردت أن أجيب بصراحة ، قلت : إذا كان ما بيننا حبا فإنى أعيذ هذا هذا اللفظ المقدس من أن يطلق على ما مر بى من شيئ .. وإن كان ما مر بى حبا ، فحاشا لعلاقتنا أن تهبط إلى مستوى الحب .. يعلم الله أنى لم أكن أزخرف الكلام ، ولكنى أحسست بنوع من التنكر لمشاعر استغرقتنى فى لحظة على الأقل من تاريخى  ، فهل كان شخصا آخر من استغرقته تلك المشاعر ، أم أن هذا الذى يتحدث الآن ليس أنا .. وحينما أردت أن أتسق مع ذاتى وجدتنى أقولها فجأة وأنا أحادثها هاتفيا : " على فكرة بقى كانت قصص حب " !