( شرعية المظاهرات السلمية ووجوبها )
والجواب : أنى لا أستطيع التخلف عن بيان حكم شرعى طلب منى ، وإلا كنت كاتما لعلم رزقنى الله إياه ، وعاقبنى الله باللعنة فى الدنيا ، ولجام من النار فى الآخرة فهذا ما أخافه فأقول وبالله التوفيق :
المظاهرات هى : خروج جماعة من الناس فى شعب معين يعلنون رأيهم ومطالبهم بصوت جماعى لإيصالها إلى ولى الأمر المسئول أو الضغط عليه ليستجيب لهم ، وهى نوعان :
النوع الأول : مظاهرات يصحبها تخريب العامر ن وإفساد الصالح ، وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة
، وهذه محرمة شرعا ، ولا يجوز لمسلم أن يفعلها أو يششارك فيها وهذه ليست مظاهرات فى الحكم الشرعى ، إنما هى جريمة قطع طريق ، وإفساد فى الأرض ، ومن يمت فى المشاركة فيها يمت ميتة جاهلية ، وهذه ليست موضوع الفتوى ولا موضوع الحديث هنا .
النوع الثانى : المظاهرات السلمية التى تخرج إلى الشارع بقصد إعلان أو إيصال مطالبها بصوت جماعى إلى ولى الأمر المسؤول نصرة للحق ضد الباطل ، وإنكارا للظلم والفساد ، وإقرارا لمصالح الناس ولا يصحبها تخريب عامر ولا إفساد صالح ، ولا إتلاف ممتلكات ..
هذه المظاهرات السلمية بهذا الشكل مشروعة ، بل هى بما وصفناه : واجبة شرعًا ولا حرج فيها ولا تأثيم ، فهى طريق من طرق النهى عن المنكر ، وإزالة البغى والظلم ،
(( وليست خروجا على الحاكم وذلك للأسباب التالية ))
أولا : الأصل إباحتها
اتفق الفقهاء كافة أن الأصل فى المعاملات التى تحقق مصالح الناس وتدفع الفساد عنهم الإباحة والمشروعية إلا إذا قام الدليل من القرآن أو من صحيح السنة على التحريم ، فإذا لم يقم الدليل من الدليل على التحريم من القرآن أو من صحيح السنة يظل الأمر مباحا على أصله .
والمظاهرات السلمية ليست كالعبادات المحضة كالصلاة والصيام حتى نطلب لها الدليل على شرعيتها من القرآن أو السنة ، إنما هى وسيلة من الوسائل السلمية التى اتفق عليها الناس كافة ، ومقصودها إيصال المطالب إلى من يهمه الأمر .. فهى بهذا وسيلة وليست غاية ، ومقصودها رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم .. ولا أجد دليلا قطعيا فى الإسلام يحرمها .. فيظل حكمها باقيا على الإباحة والمشروعية بقاء على الأصل .
ثانيا : المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر
وما دامت المظاهرات السلمية تطالب بحق ولا تطالب بباطل ، وما دامت تنشد تغيير ظلم قائم فى الحكم أو منكر سائد فى الإدارة ، فهى وسيلة من وسائل تغيير المنكر ، وهى الوسيلة اللسانية ، وهى بهذا تكون واجبة شرعا وواجب كل مسلم أن يشارك فيها ويدعمها ، ويجب على القائمين بها ان يستمروا حتى يتغير المنكر ، ويزول الظلم والبغى عن المؤمنين ، لأن تغيير المنكر باللسان واجب شرعا ، كما أن السكوت عن الجور محرم شرعا ، والله تعالى يقول ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( آل عمران 104 )
والواضح أنها لا تأتى بمنكر أكبر ولا أصغر إلا إذا أراد الظالمون إفسادها بإحداث الشغب ونسبته للمؤمنين ، أو إفسادها بشائعات وفتاوى المخذولين لتخديرهم وتخذيلهم ، فليحذرهم المؤمنون وليحافظوا على سلميتها .
المظاهرات السلمية أقوى وسائل التعبير :
لست فى حاجة على بيان فضل الجماعة ودورها فى تغيير المنكر ، فنبى الله موسى عليه السلام حينما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعن الطاغية طلب من الله أن يجهل معه أخاه هارون سندًا له أو ردءًا له ، يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي( 29) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي( ( (32 سورة طه .. ، ولهذا يقول الله تعالى ( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) والنبى يقول ( يد الله مع الجماعة ) ( اخرجه الترمذى وهو جزء من حديث فى صحيح الجامع 3621 )
والمظاهرات الجماعية السلمية صوت جماعى مؤثر وضاغط يعبر عن يعبر عن الرأى العام ، وهى فى أقل تقدير بمثابة الاستفتاء العام والإجماع الوطنى الذى يرفض الظلم والظالمين واعتبرها الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وسيلة من الوسائل الكبيرة لتغيير منكرات الأنظمة الحاكمة الفاسدة ، قال حفظه الله فى كتاب ( فقه الجهاد ) " قوة الجماهية الشعبية العارمة والتى تشبه الإجماع ، والتى إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها أو يصد مسيرتها ، لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العرم ، لا يقف أمامه شيئ حتى القوات المسلحة نفسها ، لأنها فى النهاية جزء منها ، وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآبائهم وأبنائهم وأمهاتهم وإخوانهم ( راجع فقه الجهاد 2/ 1050 .. من فقه الدولة 126 ) .
ثالثا : المظاهرات السلمية نوع من الجهاد الفروض
وما دامت المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر فى الإدارة ودفع الظلم عن المؤمنين ، فهى من الجهاد المطلوب باللسان ، والنبى يقول ( ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريونوأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ( أخرجه مسلم وغيره ) .. وعن أبى أمامة قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال : يا رسول الله أى الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه ، فلما رأى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه ، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله فى الغرز ليركب قال " اين السائل ؟ " قال : أنا يا رسول الله ، قال ( كلمة حق عند ذى سلطان جائر ) ( صحيح . أخرجه ابن ماجة فى صحيح الترغيب 2307 )
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدرى ، قال ( أخرج مروان المنبر المنبر فى يوزم عيد - ولم يكن يخرج به – وبدأ الخطبة قبل الصلاة – ولم يكن يبدأ بها – فقال رجل وقال : يا مروان قد خالفت السنة ، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج به فى يوم عيد ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ولم يكن يبدأ بها .. فقال أبو سعيد الخدرى : من هذا ؟ قالوا : فلان ابن فلان .. فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " ( صحيح ، أخرجه مسلم وغيره ) .
رابعا : المظاهرات السلمية تأخذ حكم مقاصدها
وما دامت المظاهرات السلمية وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل ، وتغيير المنكر وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل وتغيير المنكر وإزالة الظلم والفساد القائم فى الإدارة والحكم فهى مشروعة بل واجبة فى الإسلام حسب هذا القصد ، وقد اتفق علماؤنا : أن الوسائل لها حكم المقاصد ، فتكون واجبة ، وقالوا : ما يؤدى إلى الواجب فهو واجب مثله .
خامسا : الموت فى المظاهرات السلمية شهادة فى سبيل الله
وما دامت المظاهرات السلمية جهادا مطلوبا باللسان فمن يشارك فيها بنية تغيير المنكر ، وإزالة الظلم ، ونية القيام بفرضية الله فى تغيير المنكر فهو مجاهد فى سبيل الله ، فإذا مات فيها بهذه النية أو قتله الظالمون ، ولم يتعمد قتل نفسه ، فموته فى هذه الحالة شهادة له فى سبيل الله .. بقوله تعالى ( إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الأنفال 70 ) ، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ( صحيح .. أول حديث أخرجه البخارى فى صحيحه ) .
ويقول النبى : سيد الشهداء : حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله ) حسن .. أخرجه الحاكم والضياء عن جابر كما فى صحيح الجامع 3675 ) .
خامسا : المظاهرات السلمية ليست خروجا على ولى الأمر الشرعى
وبما ذكرناه لا تكون المظاهرات السلمية خروجا على ولى الأمر الشرعى ، فالخروج على ولى الأمر تعنى أن تخرج جماعة ذات شوكة ، يعنى جماعة مسلحة يقاتلون الحاكم وينازعونه سلطته بقوة السلاح ، كما رأيناه قديما فى جماعة الخوارج على الإمام على بن أبى طالب t ، ورأيناه حديثا فى الجماعة الإسلامية يوم أن كانت تقوم بعمليات العنف التى رفضها كل عاقل ، ورفضناها مع كل الناس .. والخروج بهذا المعنى مرفوض شرعا لأنه يؤدى إلى فتنة أكبر ، وهذا نعرفه ولا نجهله .
أما المظاهرات السلمية بما ذكرناه فليست كذلك مطلقا ، ليس فيها قتالا لحاكم ولا خروجا مسلحا عليه ، ولا إفسادا فى الأرض ، إنما هى نوع من التعبير عن رأى الجماعة أو رأى الشعب ، لأجل تغيير منكرات الحكام الظالمين ، خاصة هؤلاء الذين لم يأتوا إلى الحكم برضا الشعوب المنكوبة فى انتخاباتها ، إنما اغتصبوا الحكم فيها بالتزوير ، وقوة الأعداء ، ودسائس مخابراتهم ، كما نقلوا عن إلحاح الكيان الصهيونى على المجتمع الدولى أن يعمل على بقاء الحكم الظالم الجائر فى مصر .
سادسا : الدستور لا يعتبر المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم
هذا فضلا عن أن الدستور المصرى لا يعتبر هذه المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم ، إنما اعتبرها وسيلة من وسائل التعبير عن الرأى ، وأكد أنها حق الإنسان فى مصر وغيرها ، وألزم القوة المتسلطة أن تحترمها وتلبى مطالبها ، راجع فى ذلك المادة رقم ( 47 تقول : حرية الرأى مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقوة أو الكناية أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون .. ) وفى نهاية المادة 54 تقول ( والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة فى حدود القانون ) والقول بأنها خروج على الحاكم من تلبيس إبليس الكامن فى أجهزة المخابرات التى يديرها الأبالسة ، لأجل خداع الناس المنكوبين والغاضبين .
وخلاصة الفتوى
أؤكد أن المظاهرات السلمية بما ذكرناه وسيلة مشروعة من وسائل تغيير المنكر الواجب إنكاره وتغييره ، وليست خروجا على الحاكم .... هذا فضلا عن أن القانون الإنسانى المعاصر والدستور المصرى القائم اباحها للمنكوبين ما دامت بالطرق المباحة ولم يجعلها خروجا على الحاكم محمد السيد الشناوى
من علماء الازهر الشريف
إمام وخطيب مسجد أبى بكر الطرينى بالمحلة الكبرى


