السبت، 17 سبتمبر 2011

أحدهما ليس أنا

قيل إن فلتات اللسان تفضح مكنونات السرائر وتظهر مخبوءات الضمائر .. قلت : ليست وحدها ، هى واحدة مع أخريات توضح مدى المفارقة بين شخصين ،على الأقل، أحدهم ،على الأكثر، يظهر للناس ، كل هؤلاء يضمهم كيان يبدو واحدا ولا يعامله الناس إلا بصيغة المفرد يطلق عليه فى كل اللغات الإنسانية " إنسان".. والمحظوظ حقا هو ما يستطيع أن يتعرف أحدهما بداخله على الآخرين ، والسعيد من يجعل منهم جميعا أصدقاء ..
الطين يتمايل على أنغام الراب ..
نعم الطين :الإنسان فى أصل خلقته ، قدر لى أن أحضر حفل زفاف أحد أقاربى ممن باعدت بيننا مشاغل الدنيا ، أو ربما أبعدتنى أنا دونهم زخارف الحياة ، إذ إنهم من أولئك الذين ما زالوا يحتفظون ببعض ما خلفه الطين فى أصل خلقة الإنسان من إنسانية،
أحد الحاضرين وأنا أعرفه جيدا ، فلاح يرتدى العباءة الفلاحية ، عمل بالزراعة ومؤخرا عمل كخادم مسجد بوزارة الأوقاف ، كان الفرح صاخبا بينما هو لا يستطيع أن يخرج فرحته الطبيعية فى هذا الجو الذى هو أبعد ما يكون عن الطين الإنسان .. تابعته كثيرا حتى انتهى به الأمر إلى أن تمايل راقصا .. رقصة فضحت الصراع بين الطين وأنغام الراب ، والتى انتهت باستسلام الأول منهما للثانى استسلاما جزئيا ليفضح عورة كبرى من عورات الإنسانية ، فقد كانت رقصته دليلا على مرحلة وسطى مر بها الإنسان بين تماسك الطين وتمايل الراقصين ..
نقطة كبيرة وابتسامتان فاضحتان ..
قاعة ، ومنصة تضم عددا من الأساتذة الأجلاء ورؤساء أقسام متناظرة من كليات مختلفة بجامعات عدة ، تجلس أمامهم طالبة تفصل بينها وبين نيل درجة الدكتوراه دقائق معدودة .. إلى هذا الحد الموقف مثالى ومتسق ، إلى أن تقلب عينيك فى الحاضرين ، بعض دارسى نفس الفرع العلمى ممن حضروا ليتعلموا من الأساتذة والطالبة على السواء وكنت أنا أحدهم ، مع بعض الأساتذة مع ( كثير ) من أقرباء الطالبة وصاحباتها وجيرانها ممن جاؤوا فقط ليجاملوها فى تلك اللحظة التى قالت لهم إنها سعيدة .
يتململ أحد أقرباء الطالبة من طول فترة المناقشة فيخرج ليدخن سيجارة علها تأكل بعض الوقت مع تآكل آجزائها ، وأخرى ترتقب كلمة ،لا تعرف حروفها تحديدا ، كلمة تسعد ابنتها أو ابنة خالتها لتطلق زرغودة مجاملة قد لا تناسب الحرم الجامعى بقدر ما تناسب مفهوم مطلقتها عن الفرحة حيث  لا تعرف طريقة أخرى للتعبير عنها ..
عالمان مختلفان تمام الاختلاف ، ولكن فى لحظة من اللحظات يضطر ساكنوا أحدهما الولوج ولو قليلا فى العالم الآخر ، كانا رجلين يجلسان بجوارى ، يحاولان أن يخفيا ما تسرب لهما من شعور بالخزى مما ظنوه جهلا حينما لم يجدا طريقة للتواصل الذهنى مع ما اضطروا لسماعه ، حتى علق أحد الأساتذة على كلمة كتبتها الطالبة بطريقة غير سليمة بإضافة نقطة غيرت معنى الكلمة وأخلت بالمعنى إخلالا عميقا .. هنا بدأ الرجلان يتندران على هذا ( المفترى ) الذى لم يفوت ( النقطة ) .. وعندما انتبه أحدهما أنى أسمع ما يقولاه ابتسم لى ابتسامة فرددت عليه بابتسامة .. ابتسامته فضحت المسافة بين شعوره بجهل متوهم وبين رغبته فى التكيف مع عالم ليس عالمه ..  وابتسامتى فضحت المسافة بين شعورى بالشفقة على الخجل المختبئ وراء ابتسامته وشعورى بالضيق مما نال الأستاذ الفاضل من إساءة ناتجة عن صراع لا ذنب له فيه ...
هزة فارقة
ما ذنب الإنسان حينما يرسم الناس له صورة ذهنية تختلف عن حقيقته ؟ لمجرد أنه يبدو عليه التدين : لحية وبعض آثار السجود على وجهه ؟ ، ليس لأن تصرفاته تختلف عما يمليه عليه هذا الدين الذى ظهرت أمارات اعتزازه به على وجهه ، ولكن ربما لأن مفهوم غيره عن الدين يختلف عن حقيقة الدين أو على الأقل عن فهمه هو للدين .. 
كنت على سفر وأردت أن أسمع أغنية أحبها على هاتفى ، فوضعت سماعة الأذن لأستمتع بالأغنية ، الهئية والسمت كما قد يعرف الآخرون عنها لا ينبغى لها إلا أن تسمع خطبة أو درسا دينيا .. ولكن هذه الأشياء لا يسبب التأثر بها هزة منتظمة كتلك التى قد تفعلها أنغام الموسيقى بيديك أو رجليك عند سماعها ، انتبهت على نظرة من بجوارى إلىّ وأنا أهز قدمى طربا مما أسمع وكانت لنظرته معنى ، لا أتذكر أنى فكرت كثيرا فى معنى نظرته ، ولكن ما أتذكره جيدا أن قدمى لم تتوقف عن الاهتزاز !
أحدهما ليس أنا
"مأساة الحب الحقيقية أن الرجل يريد أن يكون أول من يدخل قلب المرأة ، والمرأة تريد أن تكون آخر من يدخل قلب الرجل " هذه الجملة كنت قد كتبتها منذ  ما يزيد عن  عام كحالة على الفيسبوك .. وكانت ،ولازالت، تلك إحدى قناعاتى .. ولكن ما الدور الذى تلعبه أمثال هذه القناعات فى علاقات الحب بعيدا عن التنظير ؟ 
حينما سألتنى السؤال القديم المتجدد مع كل قصة جديدة : هل أحببت من قبل ؟ وأردت أن أجيب بصراحة ، قلت : إذا كان ما بيننا حبا فإنى أعيذ هذا هذا اللفظ المقدس من أن يطلق على ما مر بى من شيئ .. وإن كان ما مر بى حبا ، فحاشا لعلاقتنا أن تهبط إلى مستوى الحب .. يعلم الله أنى لم أكن أزخرف الكلام ، ولكنى أحسست بنوع من التنكر لمشاعر استغرقتنى فى لحظة على الأقل من تاريخى  ، فهل كان شخصا آخر من استغرقته تلك المشاعر ، أم أن هذا الذى يتحدث الآن ليس أنا .. وحينما أردت أن أتسق مع ذاتى وجدتنى أقولها فجأة وأنا أحادثها هاتفيا : " على فكرة بقى كانت قصص حب " !

الاثنين، 25 يوليو 2011

حركة 6 إبريل والمجلس العسكرى .. حروف بلا نقاط



لكى نضع النقاط فوق الحروب أقرر ابتداء أنى لا أستريح لحركة 6 إبريل 


ولكن ..

مبدأ توجيه التهم بصورة إعلامية مرفوض

كيف نطالَب باحترام القانون ورأس الدولة يوجه التهم بصورة تشهيرية غير قانونية تضعه تحت طائلة القانون حتى وإن كان صادقا ؟
وما علاقة التمويل الخارجى - وإن كنت أرجح أنه موجود - باعتداء بعض البلطجية ممن راق للمجلس العسكرى والإعلام الذى لم يخلص تماما من التبعية لولى النعمة تسميتهم بأهالى العباسية ؟

وحتى لو - وهو حرف امتناع لامتناع كما درسنا فى الإعدادية - لو صح أن اهالى العباسية عن بكرة أبيهم مسؤولون عما رأينا من أعمال عنف وإلقاء حجارة وقنابل مولوتوف ، هل يجعل ذلك تلك الأعمال مهمة وطنية ؟ ويمنعنا من أن نسمى الأشياء بأسمائها ؟ هل يمنعنا أن نسمى البلطجة بلطجة ؟!

لست متناقضا ولكنى أحترم القانون ..

ففى الوقت الذى تطالبونا فيه يا ولاة الأمر بضبط النفس ، وباحترام الإجراءات القانونية فى حق مجرمين بحجم مبارك ووزرائه وأنتم لا تقلون يقينا عنا أنهم مجرومون مدانون يقينا ، وشهد العالم كله فضلا عن واقعنا بمدى جنايتهم فى حق الوطن ، تقومون أنتم بتوزيع التهم ، لا أقول بصورة جزافية ولو أنه احتمال غير غائب ، ولكن أقول بصورة قانونية ؟
ألستم قد خالفتم بذلك القانون الذى تطالبونا بعدم مخالفته ، بل وخالفتوه فى نفس البند وليس فى بند آخر !!

أحد شباب الحركة سمعته يقول بهدوء شديد : " اللى عنده حاجة يطلعها ، ولو عنده ومستنى يطلعها لما أهتف ضده يبقى خائن للوطن ومتستر على مجرم " وأنا أضم صوتى لصوته ، رغم اختلافى معه فى أفكاره أو جلها وأقول : يا حضرة الملجس العسكرى ، قد باء بها أحدكما !

الخطيئة الكبرى التى ارتكبها جميع المخالفين للحركة وأنا منهم ، أنهم تعاملوا بمنطق : خصم خصمى صديقى ، ولكنى أقولها الآن وبصراحة شديدة : سنؤكل يوم تؤكل 6 إبريل لأن الذئب لا يفرق بين النعجة الإسلامية والليبرالية والتقدمية والاشتراكية والشيوعية ... ، وإذا صح أن المجلس العسكرى ليس لديه أدلة فإنه يستحق وصف الشيخ حازم الذى تحفظت عليه عند سماعى إياه بأن المجلس العسكرى والحكومة الحالية " ذئاب وثعالب " ويستوى عندى فى هذا الأمر عدم تقديمهم الأدلة لعدم وجودها أو لأى سبب آخر .

ولى همسة فى أذن كل شباب 6 إبريل وأنا مقتنع تماما أنه إذا صح ما أرجحه من وجود تمويل وخلافه ، فإنه لا يصل إلا لفئة محدودة من قيادتكم ، لأنه لا يوجد فصيل بالكامل خائن ، أطالبهم أن يبحثوا بأنفسهم عن حقيقة تلك الاتهامات التى وإن لم يقدم المجلس العسكرى أدلة على صحتها فقد قدم الكثيرون ما يشبه الأدلة على وجودها بعضهم أعضاء سابقون كالأستاذة أسماء محفوظ ، أهمس فى أذنهم : تطهير الحركة من أى فساد مسؤوليتكم أنتم لأنه فى صالحكم أولا ، وفى صالح الوطن الذى لا يختلف اثنان أنكم أحد لبنات تكوينه أختلفنا معكم أم اتفقنا معكم .

وأناشد المجلس العسكرى ، حينما لم يرى الآخرون ولم يسمعوا من خطاب سيادة اللواء الفنجرى إلا أصبعه كنت أول من وضع صورة سيادة اللواء مشهرا أصبعه بدلا من صورتى الشخصية على الفيس بوك ، ليس حبا فيكم ، ولكن حبا فى الحق ، هذا الحق هو ما يجعلنا نرفع أصبعنا فى أوجهكم  ، منبهين إياكم لا مهددين ولا باعتباركم خصوما ، ونقول لكم بكل احترام : القانون فوق الجميع ، أطالبكم بأدلة الإدانة وأكون أول من يحترم ذلك ويكتب عنه ............وأهمس فى أذن كل مخالفى الحركة : "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " واحترامكم للقانون حتى مع خصومكم ، ولا أقول أعدائهم وشتان بينهما ، يحميكم ويحميهم من الظلم الذى عانينا جميعا ظلماته ولست بحاجة لأن أعرفكم مآلاته ............. أنا لا أدافع عن 6 إبريل ، ولا أهاجم المجلس العسكرى ولكنى أدافع عن سيادة القانون الذى نطالَب باحترامه ، ثم يخترق من حيث طولبنا باحترامه ومن قبل المطالبين أنفسهم ..

الأحد، 29 مايو 2011

عفوا .. لن أدافع عن الديموقراطية


     أدعوك فقط أن تسدل ما رفعته من أطراف ملابسك على ذراعيك بعد أن دفعك العنوان  " للتشمير" وتعيد حاجبيك إلى ما كانا عليه من فرقة  قبل " التكشير " !
    
     ربما تتهمنى الآن بأننى سلفى بعد هذا الهجوم - فى وجهة نظرك - على قداسة الديموقراطية ، ربما .. هذا إن صح أساسا وصْفُ السلفية بالتهمة ..

     ولكن أطمئنك إن كنت من المصابين بالسلفوفوبيا أنا لا أنتمى إلى " التيار السلفى " وإن كنتُ سلفى العقيدة ..

      لن أطيل النفس فى تلك الجزئية ، ولكنى أثرتها لصلتها بالموضوع بل وبكل موضوع للأسف الآن ولأزعم أيضا على إثرها أننا فى حاجة إلى ضبط موضوعى لكافة المصطلحات التى نتداولها الآن من دولة مدنية ودولة دينية وغيرهما بل نحتاج لضبط للمفردات التى تتكون منها تلك المصطلحات .. مدنية . دين . دولة !

     من المؤكد أنك سمعت من بعض الكتاب الموضوعيين أو أشباههم أو مدعى الموضوعية بعض التنظيرات التى قد تختلف فيما بينها .. وربما مصطلح الديموقراطية أيضا ناله نصيب كبير من تلك التنظيرات التى يصعد بعضها بالديموقراطية إلى درجة القداسة ويجعلها البعض حراما وبدعة ويقف آخرون على مسافات متفاوتة فى القرب والبعد من التقديس والتبديع .

أنا لن أدافع عن الديموقراطية .. بل وربما أهاجمها .. !
حسب تلك الديموقراطية ..
فهناك صنف من الديموقراطية أهاجمه ,,
وصنف آخر لا أهاجمه ، ولا أدافع عنه ....

أظن الأمر اتضح الآن  للبعض ممن ربطوا بين حديثى عن ضبط الاصطلاحات وبين مفهومهم عن الديموقراطية ، ولمزيد من التوضيح أقول وبالله التوفيق

انا كمتبنٍ لمشروع نهضة إسلامى المرجعية والنكهة والهوية ، لا أقدس ما أنتجته ( العقيدة الديموقراطية ) ولكنى أقبل بها كآلية تنفيذية لتحقيق الشورى التى (أعتقد) فيها ، والتى تتعدد آليات تطبيقها ، والآلة الديموقراطية إحدى تلك الآليات ..

إذن أنا أهاجم الديموقراطية كعقيدة ، ولكنه هجوما ديموقراطيا !! ، بمعنى أنك لك كل الحق فى أن تعتقد فيها ، بل ولك لك الحق فى أن تنتقدنى وتنتقد مشروعى الإسلامى طالما لا تصادر على حقى فى عرض بضاعتى ونقدك فى جو من الشورى أو الديموقراطية إن اردت أن تسميها ..

أظن أنى أجبت على سؤالين من ثلاثة أسئلة على الأقل تبادرت إلى ذهنك الآن .. فقد أوضحت ما الفرق بين الديموقراطية التى أهاجمها والديموقراطية التى لن أدافع عنها ، واوضحت لماذا أهاجم الديموقراطية التى هى عقيدة ترى أن النظام العالمى الحالى هو قمة التطور وأنه نهاية العالم فلا سبيل إذن عند معتقديها إلى وجود عقيدة سياسية أخرى صالحة مع ديموقراطيتهم او عقيدتهم ..

وبقى سؤال .. لماذا لا أدافع عن الأخرى طالما أنى لا أهاجمها ، وفى الحقيقة هناك سببان أساسيان :
الأول : الوسائل لا يُدافع عنها ولا تهاجم لذاتها ، فالوسائل فى الفكر الإسلامى تأخذ حكم مقاصدها ، ليس كما يقول البعض بأن الغاية تبرر الوسيلة ، كلا ، بل لابد من نبل الغاية والوسيلة معا ، ولكنى أتحدث عن صنف من الوسائل التى لا يمكن وسمها بنبل أو بخبث لذاتها ، فمثال ما أقول أن السكين يحرم استعمالها فى القتل ويباح فى الذبح ، أما استخدام الكذب فى السياسة مثلا لأجل تحقيق مكاسب فلا يجوز الفكر الإسلامى لأن الغاية لا تبرر الوسيلة فى الفكر الإسلامى .

والديموقراطية أشبه بمثال السكين ، تأخذ حكم الغاية ، فإن كان الغاية منها تحقيق الشورى فاستخدامها يدور بين الحرمة والإباحة والوجوب ، الحرمة إن أمكن استخدام وسيلة خير منها ، والوجوب فى حالة عدم التمكن من اللجوء لآلية أخرى للشورى والإباحة إن تساوت مع غيرها جاز استخدام أحد الآليات وترك الأخرى ..

وأرى أن الديموقراطية انطلاقا من هذا التنظير هى آلية ، حتى وإن لم نجد غيرها الآن فمن الطبيعى جدا أن نجد وسيلة أفضل فى المستقبل ، والخلاصة أن الديموقراطية ( كآلية ) لهذا السبب ليست مما يدافع عنه عنه أو يهاجم لذاته .

الثانى : كيف لى أن أدافع عن الآلية الديموقراطية وأنا أرى بأم عيني أن كبار الداعين للديموقراطية كآلية وفلسفة وعقيدة وربما كدين أيضا ! أراهم ينقلبون عليها ، فالعقيدة الديموقراطية فى أبسط معانيها هى حكم الشعب لنفسه ، عن طريق الانتخابات وحكم الأغلبية ، دون وصفها بفسق أو إيمان ، بجهل أو علم ، فقط الأغلبية ، ولهذا ضاق بها الإسلاميون ، لأنها تعنى الموافقه على أى قانون مهما خالف أى شيئ ، فنجد التصويت على قانون إباحة الشذوذ هناك وقانون تحريم الحجاب هنالك .. وبالتالى فهى حكم أو تحكيم الهوى.

وقد آن الآوان للديموقراطيين أنفسهم أن يضيقوا بعقيدتهم التى تبيح للأغلبية فعل ما تشاء طالما أنها أغلبية ، وبالتالى كانت الآلة الديموقراطية ترجمانا لتلك العقيدة
 فحين وسموا 77.2 % من أصل 18.000.000 مصوت بالجهل السياسى والبساطة الفكرية ، بل وبالسذاجة والجهل المطلق عند بعضهم كان ذلك هو عين الهجوم على الديموقراطية ، قبل أن يكون هجوما على الشعب المصرى الذى شهد العالم بعبقريته. قد أدافع عن الشعب الذى أنا أحد أفراده ، قد أدافع عن الـ 77.2% الذى أنا أحد مكونيها.ولكنى لن أستطيع أن أدافع عن الديموقراطية لأنها تعنى أنه إذا فرض وأن الأغلبية بالفعل جاهلة أو ملحدة تحكم البلد بالجهل والإلحاد ، وإن دافعت أحيانا عن الآلة الديموقراطية أدافع فقط عن العقد الذى هو شريعة المتعاقدين وليس عن الآلية الديموقراطية نفسها .. وقبل أن تتهمنى بالتناقض إذ إنى ذكرت من قبل ان الغاية لا تبرر الوسيلة ، أذكرك أنى لم أقل أنى سوف أهاجم الآلة الديموقراطية بل لها ما لها وعليها ما عليها ، وأنا أرى الآن أن الضرر الناجم عن التخلى عن العقد الديموقراطى الذى عقده الشعب فى الاستفتاء أكبر من الضرر الناجم عن البحث عن آلية لن تكون أكثر توافقا مع الواقع من الآلة الديموقراطية على الأقل فى تلك اللحظة .

ألخص ما قلته ..
أنا لا أؤمن بالعقيدة الديموقراطية ، أما الآلة الديموقراطية فاجتهاد بشرى ووسيلة تأخذ  حكم مقاصدها ، وأراها - بعيوبها - هى الانسب للمرحلة ، وليس على الدوام ، ربما يظهر  ما هو أفضل منها ، ربما تتماسك فترة طويلة جدا قبل أن ترثها آلية أخرى ، ولكن لابد لها أن تسقط لما سيستجد من تطورات لا يعلمها إلا الله شأنها شأن أى اجتهاد بشرى ، وتلك سنة ربانية ماضية لا تبديل فيها ولا تغيير .

الاثنين، 7 مارس 2011

دور الإعلام والتعليم فى تكوين الاتجاه السلبى عن الذات فى إطار الحرب على تيار الوعى ، قبل 25 يناير .




أريد أن أتفق معكم فى البداية على نقاط اعتقد أنها الآن انتقلت من مرحلة السر الذى يعلمه الجميع إلى مرحلة الفضيحة التى لا يجهلها أحد ، وصارت كالمسيلمات التى لا ينكرها منصف  ، وهى ..

أولا : لا يختلف الآن اثنان على أننا كنا نحكم من قبل عصابة منظمة لها منهاجية واضحة فى الإفساد  والظلم والقهر .


ثانيا : شباب مصر بخير ، على الأقل فى السنوات القليلة التى سبقت الثورة والتى مهدت لها وخاصة على مستوى الوعى .. فقد انتقل شبابنا من أزمة الوعى ، إلى وعى الأزمة ، ثم إلى مبادرة حل الأزمة فكانت الثورة .
ثالثا : فى ظل النقطتين السابقتين يمكن لنا أن نرسم علاقة شديدة العداء بين الآلة التى تتعامل بها (العصابة) مع العدو الحقيقى لها وهو تيار الوعى الذى تحول الآن إلى تيار الخلاص .
رابعا : إذا  كنا نطلق على الفئة الأولى لفظ (العصابة) وعلى الفئة الثانية لفظ ( تيار الوعى ) إلا أننا لا نتحدث عن عصابة بالمعنى التقليدى فهى عصابة لديها كل الإمكانيات العلمية والنفسية والتكنولوجية ، فى مواجهة فئة واعية قد لا تمتلك إلا الوعى بل تجاهد لمجرد الوصول إليه ..
فى ضوء اتفاقنا على ما سبق يمكن أن ننطلق
      فالعصابة التى كانت تحكم البلاد تدرك إدراكا كاملا لخطورة امتلاك الشعب للوعى ، وفى إطار إدراكها لذلك لم يسعها إلا أن تشن حربا على كل من يحاول أن ينشر هذا الوعى بين الناس وخاصة الفئة القادرة على التغيير .. فئة الشباب ، فكانت الممارسات المختلفة بدءا من الحرب الفكرية  وصولا إلى الممارسات القمعية والإرهابية مرورا بسلسلة منظمة وممنهجة من الوسائل الأخرى المختلفة ، ولعل من أكثر تلك الممارسات الممنهجة والتى اتخذت طرقا ووسائل شتى هو ما أردت أن أتحدث عنه تحت عنوان (دور المؤسسات الإعلامية والتعليمية فى تكوين الاتجاه السلبى عن الذات ) ..

فالآلتان الإعلامية والتعليمية لهما موقع الصدارة فى الممارسات الفكرية الممنهجة التى تتبعها العصابة  لقمع الوعى ، والاتجاه السلبى عن الذات هو أكثر ما يحقق بقية الأهداف الأخرى فى إطار " حرب الوعى"
الاتجاه :
ما الاتجاه ؟ يعرفه علماء النفس تعريفات مختلفة يمكن أن نستشف منها خصائصه التى أكثرها صلة بموضوعنا : أنه مكتسب غير متعلم ، أنه ثابت نسبيا ، أنه ليس هو السلوك ولكنه شعور عام لدى الشخص يشكل ما يقوم به من سلوكيات ، يتخذ صورتين ( صورة إيجابية وأخرى سلبية )
الذات : هى بكل بساطة فكرة الشخص عن نفسه
وبالتالى يكون " الاتجاه السلبى نحو الذات " هو الفكرة السئية السلبية التى يكونها الفرد عن نفسه بصورة مكتسبة يصعب تغييرها وتكوينها إذ إنها تتميز بالثبات النسبى .

الهدف من تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
أخطر ما فى هذا الأمر أن هذا الاتجاه يمثل – بعد تكونه – حربا على كل محاولة للتغيير والإبداع هذه الحرب يشنها الشخص على نفسه ، وبالتالى ينشغل الفرد أو ( المجتمع فى مجموع أفراده ) بحرب الصراع النفسى بين الوعى المغلوط والواقع المرير عن الحرب على الفساد أو محاولة تغيير الواقع .

آليات تكوين الاتجاه السلبى عن الذات :
       أهم تلك الآليات هى الرسائل الفكرية ، والمؤسسة الإعلامية تليها المؤسسة التعليمية هى أخطر الآلات فاعلية فى هذا الصدد ولنلق نظرة على بعض الممارسات الإعلامية والتعليمية التى ساهمت فى تكوين هذا المفهوم

أولا : ممارسات الآلة الإعلامية

     من العسير أن نحصر كل تلك الممارسات التى تفننت ( العصابة ) فى ابتكارها وتنويعها ، ولكن يكمن أن نعطى بعض الأمثلة التى توضح الفكرة العامة لتلك الممارسات لبيان أنها عملية ممنهجة وليست ممارسات فردية كما يحلو للبعض أن ينعتها الآن هروبا من الوعى الجديد إلى ازمة وعى جديدة .
أ ) الممارسات الصحفية :
     ولست بصدد الحديث عن الصحف الحكومية المسماة زورا وبهتانا بالقومية فقط  ، ولكنى أتحدث أيضا عن طائفة اخرى أكبر من الصحف التى تسمى زورا وبهتانا أيضا بالصحف المعارضة ..
1 – مهاجمة الفئات الواعية والتى تعمل على نشر الوعى عن طريق الصحف الحكومية والمعارضة على السواء التى  ثبت الآن بالوثائق أن بعضها كان يتعامل مع أمن الدولة اليد الطولى للنظام البائد (العصابة) ، مع مهاجمة الصحف الحكومية الرسمية للصحف الحكومية المصطبغة بصبغة المعارضة والعكس ، فيجد الإنسان البسيط نفسه مذبذبا بين تيارات متشابكة من التشكيك فيفقد الثقة فى الجميع ، وصولا إلى فقد الثقة فى قدرته الشخصية على التقييم فيترك ( العيش لخبازينه ) وهو ما يريده النظام .
2 – ترك مساحة تضيق وتتسع للمعارضة الحقيقية حسب الظروف الأمنية ليس لاقتناع النظام بالديموقراطية ولا حتى بسبب الضغوط الأجنبية والخارجية والحقوقية فقد ثبت بما لا يدع مجالا لهذه التبريرات أن هذا النظام ( يخاف ما يختشيش ) ولكن لإقناع العامة بالمناخ الديموقراطى الذى تحياه البلاد ، فيفقد الثقة فى تيار الوعى وبالتالى لا يتجاوب معه .
3 – ترك مساحات واسعة لمعارضة حقيقية ولكنها لا ترسخ لوعى حقيقى .. كبعض التيارات السلفية التى لا يمكن أن نتهمها بالعمالة ، ولكنها تهاجم النظام بكل ما أوتيت من قوة ، وكذلك اتهاجم كل لمعارضين ، وهذا ما يجعلنا نفسر اتجاه الحكومة لفتح المجال أمام السلفيين وبعض اليساريين فقد تركت الدولة تلك المساحات لممارسة بعض حريتهم بصورة موسعة .
ب ) بالنسبة للمارسات التليفزيونية والسينيمائية ...
          1 – الحرب المباشرة .. فالحرب المباشرة على بعض الفئات المعارضة التى تشكل بصورة أو بأخرى تيارا واعيا يتم محاربتها جهارا نهارا كما رأينا فى مسلسل الجماعة الذى شن فيه حربا على جماعة الإخوان المسلمين فى رمضان السابق بعرض تاريخ الجماعة بصورة مشوهة وكذلك واقعها بصورة غير منصفة ، وصولا إلى أزمة فقد الثقة من المعارضين بعد فشل الإعلام فى تثبيت الثقة فى النظام ، فيلعب على أزمة الثقة التى تنتقل كما أوضحنا إلى نزع ثقة المشاهد فى قدرته فى تقييم الأمور .
          2 – الترسيخ لواقع نفسى سلبى .. فطائفة كبيرة جدا من الأفلام المسلسلات تتحدث عن الفساد السياسى بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع كما فى فيلم ( وش إجرام ) للفنان محمد هنيدى ، فقد تحدث عن فساد رجال الأعمال المزاوجين بين المال والسلطة وعلاقة ذلك بالبطالة  والإرهاب بصورة تكاد تكون مطابقة للواقع ، ثم فى نهاية الفيلم تقدم رسالة قوية مؤداها أنه ( ما باليد حيلة ) حين يتجه رجل الأعمال الفاسد إلى المطار بعد محاولة الظابط المخلص القبض عليه ووقوفه عاجزا أمام تليفون من مسئول كبير ، ووقوف الشاب يغنى ويردد جملة غاية فى السلبية وانعدام الوزن والقيمة والوعى ( ادينى الحقنة بسرعة أرجوك محتاجة الجرعة ) هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة يكون اتجاها سلبيا عن الذات يحول بين الشباب والفعل وهو ما يريده النظام .
          3 – توجيه رسالة قوية من خلال عدد كبير من الأفلام والمسلسلات مؤداها أن الشباب فاسد وليس أهلا للثقة كمسلسل " الفاضلة يسرا " التى أوهمتنا أن الفتاة تغامر بمجرد نزولها إلى الشارع بشرفها والحديث عن الاغتصاب وكأنه ظاهرة متكررة فى كل شارع فى كل يوم ، وكذلك فيلم (أوقات فراغ ) الذى وجه رسالة مؤداها أن الشباب تدفعه البطالة إلى المخدرات والجنس ، وتصوير الشباب المصرى بالهمجية والتطرف والقابلية للاستهواء فى فيلم (حين ميسرة) ، وقد رأينا فى ميدان التحرير كيف أنه لم تسجل حادثة تحرش واحدة وسط الملايين المحتشدة ، ولم يتم استهواء الشباب من قبل القوى الخارجية  كما ردد الإعلام المصرى  ، أو يتم شرب المخدرات والترويج لها كما أشاعت العصابة .. أو غير ذلك من القيم السالبة التى دأب التليفزيون المصرى على ترسيخها فى إطار حديثه الشبه الموضوعى عن الفساد السياسى على طريقة دس السم فى الشهد .
ج ) بالنسبة للبرامج الإخبارية والحوارية :
     لن أستفيض فى توضيح نماذج ولكننى أشير إشارة سريعة إلى الممارسات الإخيرة قبل الحادى عشر من فبراير .. فقد حرص التليفزيون المصرى على وصف المتظاهرين بصفات تفقدهم الثقة فى أنفسهم من خلال الإشادة برغبتهم فى التحول الديموقراطى - الذى طالما وصفوا النظام البائد بتحقيقه - مع التنبيه بأن من يحرك الأحداث هى فئات خارجية مندسة لتنفيد أجندات معينة ، فى محاولة لإفقاد الشباب الثقة فى جدوى ما يفعلون وفى تلقائية الثورة الشعبية الشبابية من أجل ( تكوين اتجاه سلبى عن الذات الجماعية الثورية ) وبالتالى التشكيك فى الأهداف والتنائج ، وكذلك استعداء جموع الشعب على الثوار حتى يجد الشاب نفسه متهما من قبل الأسرة والزملاء الأكبر سنا فى العمل فيقتنع أنه على خطأ ..


ثانيا  : الممارسات التعليمية
     
     الإهمال العام الذى لا يخفى على أحد فى القطاع التعليمى والنفقات المخصصة للبحث العلمى والعراقيل التى توضع أمام الباحثين كل هذا وحده يكفى لنزع الثقة من الطلاب والباحثبن فى قدرة بلادهم على النهوض بأى عمل عظيم .. ولكن لم تكتف العصابة بذلك بل أخذت تدس بعض البرامج التعليمية والممارسات الممنهجة التى ترسخ لهذا المعنى ، فعلى سبيل المثال لا الحصر :
1 ) الأبنية التعليمية : هى بالطبع فى حالة يرثى لها وأظن أن الطالب الذى يدخل المدرسة أو الجامعة لا يجد لنفسه مكانا لمجرد الوقوف فيه للاستماع إلى المدرس أو الأستاذ الجامعى فإنه يتكون لديه شعورا بالإحباط وعدم جدوى ما يتعلمه بالكلية .
2 ) المناهج العقيمة المحتوى : فطالب اليوم ليس منغلقا على نفسه وعلى ما أمامه فى المجتمع ، فمقارنة الطالب المناهج التى تقدم له بما يقدم لأقرانه فى دول أخرى يجعله يشعر بالخزى وعدم القدرة على مواكبة العصر .
3 ) سياسة التقويم : فمن المعلوم أن التقويم يجب أن يشمل كافة الجوانب التعليمية ، ولكن لا يتم التركيز فى مؤسساتنا التعليمية إلا على الجانب النظرى اللفظى فقط مما يجعل مهمة الطالب هى جمع أكبر عدد من المعلومات لتفريغ بعضها فى ورقة الأسئلة ثم تفريخ الباقى فى أقرب سلة مهملات للجنة الامتحانات .
4 ) فصل التعليم عن العمل : فعلاوة على ما يعانيه الشباب من بطالة كافية وحدها أن تدمر طاقات الشباب النفسية نجد تعمدا واضحا لإشعارهم بعدم جدوى ما تعلموه بالجامعات ، كما فى حديث المحافظين عن إعادة التأهيل للأعمال الفنية واليدوية ، لدرجة أن الوزيرة السابقة للقوى العاملة عائشة عبد الهادى قالت إن خريجى الكليات النظرية يمكن أن يعملوا فى مجال شركات الأمن والخدمات .. أى ( خفراء ) هكذا .. كل الكليات النظرية بما تشمله من دراسات فى الأدب والفن والفكر والسياسة والإقتصاد والمسرح واللغات والديانات والتاريخ والجغرافيا وغيرها من المجالات العلمية المختلفة ... كل هذه المجالات وغيرها يتجه خيرة شباب مصر ممن أتقنها إلى العمل كخفراء أمام محلات الملابس والشركات الاستثمارية والفنادق والمولات ومحطات البنزين. فكيف تكون نظرة الشاب لنفسه عندما  يسمع مثل هذا الكلام من وزيرة القوى العاملة غير الشعور بضآلة الذات وعدم جدوى العلم .
5 ) إهمال الجانب العلمى للمعلمين أنفسهم : فى كليات التربية وعدم الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والتطوير لمن هم فى الخدمة منذ فترة طويلة أو إجراء تلك البرامج بصور صورية حتى تصبح العملية التعليمية عمليه كرتونية مما يدفع الشاب فى فقد الثقة فى المعلم الذى يعتبره فلاسفة التربية ( جحر الزاوية فى العملية التعليمية ) .

وغير ذلك من الممارسات التربوية الممنهجة لتكوين هذا الاتجاه السالب عن الذات لدى الطلاب بل والمعلمين أنفسهم .

  ملاحظة قبل الختام 
..... ما بعد الثورة ......

      لا يمكن لعاقل أن يتخيل أن التاريخ سيتغير بضغطة زر ، فالممارسات ذاتها ما زالت تمارس إلى الآن ، فمعدى البرامج مازالوا هم هم والمذيعين والفاسدين فى المؤسسات الصحفية والقائمين على شؤون التعليم فى معظم المراكز القيادية مازالوا بأماكنهم ، وقد رأينا تورط معظمهم فى قضايا فساد وتعاون مع جهاز أمن الدولة المجرم ، فهم الآن لا يدافعون عن النظام إنما الدفاع عن أنفسهم ، وهذا النوع من الدفاع يكون أشرس ، فلا نعجب مثلا من استضافة ركن النظام السابق المذيع خيرى رمضان للمجرم فؤاد علام ليتحدث عن أهمية جهاز أمن الدولة فى وقت تتم فيه حربا شعواء بين المواطنين والجهاز .. الحاكم الفعلى لمصر .. فيجب أن ننتبه ، فرياح التغيير هبت وما لها من دافع ولكن فلننتبه لبقايا النظام البائد الذين يمارسون الآن نفس العملية ولكن هذه المرة باسم الثورة .

الاثنين، 7 فبراير 2011

فتوى الشيخ محمد الشناوى أحد علماء الأزهر الشريف فى المظاهرات السلمية

( شرعية المظاهرات السلمية ووجوبها )

سألنى كثير من الناس عن شرعية المظاهرات ، وهل هى خروج عن الحاكم ؟ .. وطالبنى سائل  أن تكون الفتوى مكتوبة حتى يقرأها مرة بعد مرة ويقتنع بها من لم يعرف حكمها .
والجواب :  أنى لا أستطيع التخلف عن بيان حكم شرعى طلب منى ، وإلا كنت كاتما لعلم رزقنى الله إياه ، وعاقبنى الله باللعنة فى الدنيا ، ولجام من النار فى الآخرة فهذا ما أخافه فأقول وبالله التوفيق :
المظاهرات هى : خروج جماعة من الناس فى شعب معين يعلنون رأيهم ومطالبهم بصوت جماعى لإيصالها إلى ولى الأمر المسئول أو الضغط عليه ليستجيب لهم ، وهى نوعان :
النوع الأول : مظاهرات يصحبها تخريب العامر ن وإفساد الصالح ، وإتلاف الممتلكات العامة والخاصة 

، وهذه محرمة شرعا ، ولا يجوز لمسلم أن يفعلها أو يششارك فيها وهذه ليست مظاهرات فى الحكم الشرعى ، إنما هى جريمة قطع طريق ، وإفساد فى الأرض ، ومن يمت فى المشاركة فيها يمت ميتة جاهلية ، وهذه ليست موضوع الفتوى ولا موضوع الحديث هنا .
النوع الثانى : المظاهرات السلمية التى تخرج إلى الشارع بقصد إعلان أو إيصال مطالبها بصوت جماعى إلى ولى الأمر المسؤول نصرة للحق ضد الباطل ، وإنكارا للظلم والفساد ، وإقرارا لمصالح الناس ولا يصحبها تخريب عامر ولا إفساد صالح ، ولا إتلاف ممتلكات ..

هذه المظاهرات السلمية بهذا الشكل مشروعة ، بل هى بما وصفناه : واجبة شرعًا ولا حرج فيها ولا تأثيم ، فهى طريق من طرق النهى عن المنكر ، وإزالة البغى والظلم ، 
(( وليست خروجا على الحاكم وذلك للأسباب التالية ))
أولا : الأصل إباحتها
اتفق الفقهاء كافة أن الأصل فى المعاملات التى تحقق مصالح الناس وتدفع الفساد عنهم الإباحة والمشروعية إلا إذا قام الدليل من القرآن أو من صحيح السنة على التحريم ، فإذا لم يقم الدليل من الدليل على التحريم من القرآن أو من صحيح السنة يظل الأمر مباحا على أصله .
والمظاهرات السلمية ليست كالعبادات المحضة كالصلاة والصيام حتى نطلب لها الدليل على شرعيتها من القرآن أو السنة ، إنما هى وسيلة من الوسائل السلمية التى اتفق عليها الناس كافة ، ومقصودها إيصال المطالب إلى من يهمه الأمر .. فهى بهذا وسيلة وليست غاية ، ومقصودها رعاية مصالح الناس ودرء المفاسد عنهم .. ولا أجد دليلا قطعيا فى الإسلام يحرمها .. فيظل حكمها باقيا على الإباحة والمشروعية بقاء على الأصل .

ثانيا : المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر
وما دامت المظاهرات السلمية تطالب بحق ولا تطالب بباطل ، وما دامت تنشد تغيير ظلم قائم فى الحكم أو منكر سائد فى الإدارة ، فهى وسيلة من وسائل تغيير المنكر ، وهى الوسيلة اللسانية ، وهى بهذا تكون واجبة شرعا وواجب كل مسلم أن يشارك فيها ويدعمها ، ويجب على القائمين بها ان يستمروا حتى يتغير المنكر ، ويزول الظلم والبغى عن المؤمنين ، لأن تغيير المنكر باللسان واجب شرعا ، كما أن السكوت عن الجور محرم شرعا ، والله تعالى يقول ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )  ( آل عمران 104 )
والواضح أنها لا تأتى بمنكر أكبر ولا أصغر إلا إذا أراد الظالمون إفسادها بإحداث الشغب ونسبته للمؤمنين ، أو إفسادها بشائعات وفتاوى المخذولين لتخديرهم وتخذيلهم ، فليحذرهم المؤمنون وليحافظوا على سلميتها .
المظاهرات السلمية أقوى وسائل التعبير :
لست فى حاجة على بيان فضل الجماعة ودورها فى تغيير المنكر ، فنبى الله موسى عليه السلام  حينما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعن الطاغية طلب من الله أن يجهل معه أخاه هارون سندًا له أو ردءًا له ، يقول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام  ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي(  29) هَارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي(31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي(  ( (32 سورة طه .. ، ولهذا يقول الله تعالى ( قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ) والنبى  يقول ( يد الله مع الجماعة ) ( اخرجه الترمذى وهو جزء من حديث فى صحيح الجامع 3621 )
والمظاهرات الجماعية السلمية صوت جماعى مؤثر وضاغط يعبر عن يعبر عن الرأى العام ، وهى فى أقل تقدير بمثابة الاستفتاء العام والإجماع الوطنى الذى يرفض الظلم والظالمين واعتبرها الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوى وسيلة من الوسائل الكبيرة لتغيير منكرات الأنظمة الحاكمة الفاسدة ، قال حفظه الله فى كتاب ( فقه الجهاد ) " قوة الجماهية الشعبية العارمة والتى تشبه الإجماع ، والتى إذا تحركت لا يستطيع أحد أن يواجهها أو يصد مسيرتها ، لأنها كموج البحر الهادر أو السيل العرم ، لا يقف أمامه شيئ حتى القوات المسلحة نفسها ، لأنها فى النهاية جزء منها ، وهذه الجماهير ليسوا إلا أهليهم وآبائهم وأبنائهم وأمهاتهم وإخوانهم ( راجع فقه الجهاد 2/ 1050 .. من فقه الدولة 126 ) .
ثالثا : المظاهرات السلمية نوع من الجهاد الفروض
وما دامت المظاهرات السلمية من وسائل تغيير المنكر فى الإدارة ودفع الظلم عن المؤمنين ، فهى من الجهاد المطلوب باللسان ، والنبى يقول ( ما من نبى بعثه الله فى أمة قبلى إلا كان له من أمته حواريونوأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ) ( أخرجه مسلم وغيره ) .. وعن أبى أمامة قال : عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى فقال : يا رسول الله أى الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه ، فلما رأى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه ، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله فى الغرز ليركب قال " اين السائل ؟ " قال : أنا يا رسول الله ، قال ( كلمة حق عند ذى سلطان جائر ) ( صحيح . أخرجه ابن ماجة فى صحيح الترغيب 2307 )
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدرى ، قال ( أخرج مروان المنبر المنبر فى يوزم عيد - ولم يكن يخرج به – وبدأ الخطبة قبل الصلاة – ولم يكن يبدأ بها – فقال رجل وقال : يا مروان قد خالفت السنة ، أخرجت المنبر يوم عيد ولم يكن يخرج به فى يوم عيد ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ولم يكن يبدأ بها  .. فقال أبو سعيد الخدرى : من هذا ؟ قالوا : فلان ابن فلان .. فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " ( صحيح ، أخرجه مسلم وغيره ) .

رابعا : المظاهرات  السلمية تأخذ حكم مقاصدها
وما دامت المظاهرات السلمية وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل ، وتغيير المنكر وسيلة مقصودها نصرة الحق ضد الباطل وتغيير المنكر وإزالة الظلم والفساد القائم فى الإدارة والحكم فهى مشروعة بل واجبة فى الإسلام حسب هذا القصد ، وقد اتفق علماؤنا : أن الوسائل لها حكم المقاصد ، فتكون واجبة ، وقالوا : ما يؤدى إلى الواجب فهو واجب مثله .

خامسا : الموت فى المظاهرات السلمية شهادة فى سبيل الله
وما دامت المظاهرات السلمية جهادا مطلوبا باللسان فمن يشارك فيها بنية تغيير المنكر ، وإزالة الظلم ، ونية القيام بفرضية الله فى تغيير المنكر فهو مجاهد فى سبيل الله ، فإذا مات فيها بهذه النية أو قتله الظالمون ، ولم يتعمد قتل نفسه ، فموته فى هذه الحالة شهادة له فى سبيل الله .. بقوله تعالى ( إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الأنفال 70 ) ، والنبى صلى الله عليه وسلم يقول ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ( صحيح .. أول حديث أخرجه البخارى فى صحيحه ) .
ويقول النبى : سيد الشهداء : حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه ، فقتله ) حسن .. أخرجه الحاكم والضياء عن جابر كما فى صحيح الجامع 3675 ) .
خامسا : المظاهرات السلمية ليست خروجا على ولى الأمر الشرعى
وبما ذكرناه لا تكون المظاهرات السلمية خروجا على ولى الأمر الشرعى ، فالخروج على ولى الأمر تعنى أن تخرج جماعة ذات شوكة ، يعنى جماعة مسلحة يقاتلون الحاكم وينازعونه سلطته بقوة السلاح ، كما رأيناه قديما فى جماعة الخوارج على الإمام على بن أبى طالب t ، ورأيناه حديثا فى الجماعة الإسلامية يوم أن كانت تقوم بعمليات العنف التى رفضها كل عاقل ، ورفضناها مع كل الناس .. والخروج بهذا المعنى مرفوض شرعا لأنه يؤدى إلى فتنة أكبر ، وهذا نعرفه ولا نجهله .
أما المظاهرات السلمية بما ذكرناه فليست كذلك مطلقا ، ليس فيها قتالا لحاكم ولا خروجا مسلحا عليه ، ولا إفسادا فى الأرض ، إنما هى نوع من التعبير عن رأى الجماعة أو رأى الشعب ، لأجل تغيير منكرات الحكام الظالمين ، خاصة هؤلاء الذين لم يأتوا إلى الحكم برضا الشعوب المنكوبة فى انتخاباتها ، إنما اغتصبوا الحكم فيها بالتزوير ، وقوة الأعداء ، ودسائس مخابراتهم ، كما نقلوا عن إلحاح الكيان الصهيونى على المجتمع الدولى أن يعمل على بقاء الحكم الظالم الجائر فى مصر .

سادسا : الدستور لا يعتبر المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم
هذا فضلا عن أن الدستور المصرى لا يعتبر هذه المظاهرات السلمية خروجا على الحاكم ، إنما اعتبرها وسيلة من وسائل التعبير عن الرأى ، وأكد أنها حق الإنسان فى مصر وغيرها ، وألزم القوة المتسلطة أن تحترمها وتلبى مطالبها ، راجع فى ذلك المادة رقم ( 47 تقول : حرية الرأى مكفولة ، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقوة أو الكناية أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير فى حدود القانون .. ) وفى نهاية المادة 54 تقول ( والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة فى حدود القانون ) والقول بأنها خروج على الحاكم من تلبيس إبليس الكامن فى أجهزة المخابرات التى يديرها الأبالسة ، لأجل خداع الناس المنكوبين والغاضبين .

وخلاصة الفتوى
أؤكد أن المظاهرات السلمية بما ذكرناه وسيلة مشروعة من وسائل تغيير المنكر الواجب إنكاره وتغييره ، وليست خروجا على الحاكم .... هذا فضلا عن أن القانون الإنسانى المعاصر والدستور المصرى القائم اباحها للمنكوبين ما دامت بالطرق المباحة ولم يجعلها خروجا على الحاكم


محمد السيد الشناوى
من علماء الازهر الشريف
إمام وخطيب مسجد أبى بكر الطرينى بالمحلة الكبرى