الخميس، 8 أبريل 2010

فى ذكرى أحداث السادس والسابع من إبريل بالمحلة

هذا المقال كتب معاصرا للأحداث ، أحببت أن أنشره بنصه دون أى تعديل لأنه إنما يكتسب قيمته التأريخية من المعاصرة الزمنية والمكانية للأحداث ، ولم أجد منذ سنتين مرتا على الأحداث كتابات تتناول ما تناولته من أوضاع خلف النيران قد لا تتسنى للمحلل الذى يعتمد على شاشات التلفاز والنشرات الإخبارية ..
أحداث المحلة
ما لها وما عليها

بقلم شاهد عيان من أبناء المدينة
قبل أن أبدأ أود أن أؤكد حقيقة لا يمكن إغفالها ، وهى أن ما حدث فى مدينة المحلة الكبرى يومى السادس والسابع من إبريل عام 2008 م أمر خطير بل لا أكون مبالغا إذا اعتبرته من نقاط التحول فى التاريخ المصري ، فهناك أشياء كثيرة يمكن أن نتناولها على صعيدين متمايزين ، قبل أحداث المحلة ، وبعدها ليس من جانب الحكومة التي اضطرت إلى مراجعة حساباتها فحسب ، ولكن من جانب الشعب أيضا الذي بدأ يشعر أنه يمكنه أن يواجه ويقاوم (بغض النظر عن درجات الفهم للأحداث التى تتدخل فى تحديد الشكل العام لمفهوم المقاومة فى أذهان الجميع بما فيهم "الفئة المندسة" )... وفيما يلى محاولة لفهم ما حدث بنوع من الحيادية والتجرد السياسى إلى أقصى جهدى فى التجرد والحيادية..

وقبل أن أبدأ أيضا أود أن أشير إلى أن ما حدث فى المحلة الكبرى كان حدثا متوقعا ومفاجئا فى الوقت ذاته ! متوقعا فى ظل الظروف المعيشية الصعبة التى تواجه المجتمع المصرى منذ فترة طويلة وفى ظل الدرجة التى بلغتها هذه الصعوبة فى الآونة التى سبقت الأحداث ، أما المفاجأة فتتمثل فى عنصرى الزمان والمكان فلم يكن لأحد مهما أوتى من براعة فى التوقع والتحليل السياسى أن يحدد هذا التاريخ ليكون هو بداية الانطلاق لما أسماه الكثيرين بـ (ثورة الجياع) والتى تنبأ بوقوعها عدد من المفكرين والمحللين السياسيين منذ سنوات ، ولعل أكثرهم دقة فى تحديد الفترة الزمنية التى يتوقع أن تحدث فيها تلك الثورة أشار أنها سوف تحدث خلال السنوات العشر المقبلة أو أقل قليلا ولكن الظروف الاقتصادية الطاحنة كان لها مفعولا أقوى من أن يتوقع ، أما على مستوى المكان فلم يشر أحد إلى المكان الذي تندلع منه الشرارة الأولى بنوع من التحديد أو حتى التخمين ، وأعتقد أننا إذا طرحنا هذا التساؤل قبل أحداث المحلة لامتنعت طائفة من المحللين عن الإجابة وأشارت أخرى – على استحياء – إلى القاهرة لا لشيئ إلا لأنها بؤرة الأحداث الساخنة ولتعداد سكانها الضخم .على كل حال لم تشر أية توقعات على مستوى الزمان أو على مستوى المكان بما حدث رغم أنه كان متوقعا بشكل عام..

الفئة المندسة :

وصفت الحكومة المصرية آلاف المتظاهرين المشاركين فى أعمال التخريب والعنف التى حدثت فى المحلة بالفئة المندسة ولم يكن هذا الوصف غريبا لعدد من الأسباب أبرزها السببين التاليين:

1) السياسة البوليسية التي تتبعها الحكومة المصرية والتي تتجه إلى تعطيل جميع الوزارات حال وقوع أي حدث جماهيري اللهم إلا وزارة الداخلية ، فالأحداث الجماهيرية إذا اتفقت والسياسة العامة للدولة كما حدث بعد فوز مصر بكأس الأمم الإفريقية كان هؤلاء الجماهير (القاعدة العريضة للتنمية المستمرة) رغم وقوع الكثير من أحداث التخريب والنهب خلال تظاهرات المحتفلين بالنصر العظيم! أما إذا حدث غير ذلك فهم (الفئة المندسة) حتى وإن كانت تلك الفئة المندسة بحجم شعب كامل ، فربما تكون المحلة الكبرى كلها مدينة مندسة على دولة الحزب الوطني حسب تعبير أحد الصحفيين ، فلم تتعود الحكومة المصرية أن تدرس حالة الشارع وتبحث مشكلاته ، حتى بعد وقوع الكارثة انتقل رئيس الحكومة إلى الفئة الأعظم تأثيرا فى مدينة المحلة وهم عمال شركة مصر للغزل والنسيج لا لبحث مطالبهم ولكن توجه مقدما بين يديهم نوعا من الرشاوى السياسية ممثلة فى مكافأة تعادل شهرا من المرتب لعدم تجاوبهم مع (الفئة المندسة)

2) الموقف المراوغ الذي اتخذته القوى السياسية المتواجدة على الساحة فى مصر سواء الأحزاب المهمشة سياسيا أو جماعة الإخوان المسلمين فقد لجأت جميع هذه القوى إلى تبرئة ساحتها مقدما بعدم الاشتراك فى الإضراب العام بل وربما أدانته بعض تلك القوى بعد التهديدات العلنية التى تضمنها بيان وزارة الداخلية صباح الخامس من إبريل وجاء انسحاب بعضها من انتخابات المجالس المحلية كجماعة الإخوان المسلمين التى قاطعتها ولجأت إلى القضاء لإثبات بطلانها بمثابة الخروج التام من دائرة الأحداث ، فلم يعد ثمة ما يدعو تلك القوى للقيام بمثل هذه الأعمال ، أما عمال شركة مصر للغزل والنسيج فقد حالفهم الحظ السعيد بعد أن قدمت لهم الدولة دليل براءتهم من تلك الأعمال على طبق من ذهب ، وذلك على النحو التالى..

* أمنيا : بيان وزارة الداخلية أرهب الجميع وجعل العمال يتراجعون عن فكرة الإضراب التى شاركوا وبشدة فى الدعوة إليها منذ منتصف مارس.

* إعلاميا : تسابقت أجهزة الإعلام التابعة للدولة إلى إبراز مظاهر فشل الإضراب كما تشتهى الحكومة وتسعى إليه فتوجه التليفزيون المصرى إلى شركة مصر للغزل والنسيج صباح السادس من إبريل وقام بتسجيل بعض اللقطات التى أكد فيها بعض العمال ممن أحبوا أن يشاهدوا أنفسهم فى نشرة الأخبار ما أملاه عليهم الإعلاميون التابعون للنظام من أنهم لن يتجاوبوا مع من يدعون إلى الإضراب لما له من أثر خطير على سير العمل ومعدلات التمنية و... ، ورغم أن تلك الفبركة الإعلامية غير محكمة ( خاصة أن عمال الشركة قاموا من قبل بإضرابين للحصول على حقوقهم ولم يحصلوا عليها بعد مما يجعلنا نتأكد أن عدم اشتراكهم فى الإضراب ليس اختياريا بل هو محض خوف من بيان الداخلية ) إلا أنها عند إذاعتها ألزمت الحكومة بذلك الموقف تجاه عمال الغزل الذين تمسكوا أيضا به رغم أن أعمال الشغب التى اندلعت فى المحلة بدأت فى الرابعة والنصف عصرا سواء فى اليوم الاول أو اليوم الثانى أى بعد خروج وردية الشركة بنصف ساعة.

وبالتالى لم يتمكن الحزب الوطنى من إلصاق التهمة بالقوى المتواجدة على الساحة سواء الأحزاب أو الإخوان أو العمال ، بل إن أصابع الاتهام تشير – فيما تشير إليه – إلى بلطجية النظام الذين يستعين بهم دائما فى الانتخابات التشريعية والمحلية ، وخاصة أن تلك الأحداث وقعت قبل الانتخابات المحلية مباشرة.

كل هذا دفع الأمن والحزب والحكومة إلى وصف المتظاهرين فى المحلة الكبرى بالفئة المندسة لا لشيئ غير عجزها عن إلصاق التهمة بقوى سياسية أو عمالية معينة.

 كيف بدأت الأحداث؟  ولماذا تفاقمت؟ وكيف انتهت؟
...محاولة للفهم..

أولا : كيف بدأت الأحداث؟
البداية كانت مفاجئة للجميع بلا استثناء ، وأنا لا أتحدث عن أحد خارج حدود المدينة ، بل أتحدث عن أهل المدينة أنفسهم ، فقد كانت الأحداث فى بدايتها مفاجئة لأهل المدينة ، ومفاجئة لرجال الأمن ، بل ومفاجئة للمتظاهرين أنفسهم !! فالمفاجأة كانت لجميع الأطراف..
* أهل المدينة .. وسوف أتحدث عن نفسى باعتبارى أحد سكان المدينة ، فقد سار يومى بصورة طبيعية ولكننى تخوفت من الخروج إل عملى (وأنا لا أعمل بالحكومة) خشية أن يعترضنى أحد رجال الأمن وخاصة بعد الضجة الإعلامية التى سبقت ذلك اليوم ، والتزمت منزلى وجلست إلى جهاز الكمبيوتر أنجز بعض الأعمال الخاصة بى ولما فرغت منها بدأت فى الاستمتاع ببعض ألعاب الكمبيوتر.. وفجأة .. وبدون سابق إنذار .. فوجئت بالشوراع تنتفض رعبا من أمر ما لم أدركه إلا بعد أن خرجت لأتبين ما الحدث ، وما أن خرجت حتى فوجئت بقنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الأعصاب تلقى بكميات كبيرة فرجعت إلى مسكنى هلعا مما يحدث ولم تمر دقائق حتى عاد والدى إلى المنزل يحمل إلينا أخبار احتراق القطار بالقرب منا ، فقد كانت الأحداث مفاجئة لى ولمن هم فى محيطى إلى أقصى درجات المفاجئة ، ولئن تمكنت من التعرف على ما حدث بعد حدوثه بدقائق بحكم موقع مسكنى إلا أن كثير من أصدقائى ومعارفى الذين آثروا التزام منازلهم فى ذلك اليوم مثلى لم يتعرفوا على ما حدث إلا من نشرات الأخبار وقام عدد منهم بالاتصال بى للتأكد من صحة ما حدث حيث قرب منزلى من المناطق التى جاءت صورها فى النشرات ، وتوالت الأخبار بإحراق المدارس والمحلات التجارية والبنوك وعربات الأمن والعربات الخاصة ومهاجمة أهالى منطقة المحجوب لقسم الشرطة وإلقائهم قنابل المولوتوف – سهلة الصنع – على عربات الأمن المركزى ومدرعات القوات الخاصة وإحراق بعضها ووقوع عشرات المصابين والقبض على المئات وربما أكثر من ذلك على خلاف نشرات الأخبار التى لم تتجاوز فى تقديراتها للمقبوض عليهم الرقم 350. فقد كان ما حدث بمثابة المفاجئة الغير المتوقعة لأهالى المدينة.
* رجال الأمن : رغم الاستعدادات الأمنية الرهيبة التى تبرعت بها وزارة الداخلية لمنع أى أحداث شغب قد تحدث فى ذلك اليوم إلا أننا شاهدنا ما لم يسرنا وهذا يدفعنى للحديث فى نقطتين غاية فى الأهمية والخطورة ..

1) تمثل عنصر المفاجئة لرجال الأمن فى رد الفعل غير المتوقع للمتظاهرين الذين بدأت مسيرتهم بصورة سلمية عندما انهال عليهم رجال الأمن ضربا وسبا بأقذع الشتائم وأكثرها إهانة وتعرضا للشرف والعرض والأهل – كالعادة – إلا أن رد الفعل من الجماهير هو الذى لم يكن عاديا حيث بلغت درجة استثارتهم إلى الحد الذى لا يسمح بضبط النفس وما كان للعنف هذه المرة أن يتولد عنه الخضوع والرضا بالإهانة ، فما كان له أن يولد غير العنف ، وقد ذكر لى ممن اشتركوا فى تلك الأحداث الأولى ( لو حد شتمك بأمك وقال لك : أمك ( كذا ) هتعمل إيه ؟ هو ده اللى حصل ، وهما اللى بدأوا ) وقد وضعت كلمة ( كذا ) بين القوسين لتضع أنت مكانها صنفا من الشتائم يمكن لك أن تتخيله وربما صنفا لا يجود خيالك عليك به.

2) يبدو أن رجال الأمن المركزى ليس لديهم القدرة على مواجهة أية أعمال شغب كبيرة من شأنها أن تزعزع الاستقرار ، فرغم تواجد تلك الأعداد الضخمة من عربات الامن المركزى والمدرعات تمكنت تلك الشرزمة القليلة فى مكان لا يبعد عن ميدان الشون الذى يمثل قلب المدينة والذى تتمركز فيه أغلب القوات من إيقاف القطار وإحراقه ، بل تمكنوا من تكسير أغلب المحلات التجارية التى تقع فى ميدان الشون نفسه!

من وجهة نظرى الشخصية .. هذا الأمر يرجع إلى عدم إيمان الحكومة بقدرة المواطنين على فعل أى شيئ ، وعدم قدرتهم على مواجهة الخوف الذى تفرضه وزارة الداخلية وبالتالى فإن فالتحركات الأمنية هى محض إرهاب للشعب ولا تقوم على أية استعدادات أمنية حقيقية مدروسة ، فعربات الأمن إذن لم تنتشر فى المحلة وغيرها من مدن الجمهورية من أجل الحفاظ على الأمن الذى فشلت فى أول محاولة تخريب فى الحفاظ عليه وإنما من أجل إرهاب المواطنين ، وهذا يدفعنى لدعوة الحكومة إلى أمور هامة..
** ضرورة عمل مراجعات أمنية على أعلى مستوى.
** التعامل مع المواطنين بشيئ أخر غير قوات الأمن يمكن أن يضمن لهم حقوقهم بل ويضمن لها استمرارها إن أرادت أن تستمر دون حدوث عصيان مدنى كبير فى مصر.
** أن يتم عرض فيلم (شيئ من الخوف) فى أول اجتماع لمجلس الوزراء للاستفادة منه وعدم الوصول إلى نفس النهاية !!

* المتظاهرين : إذا كانت تلك الأحداث مفاجئة لأهل المدينة ، وكذلك لرجال الأمن فهذا الأمر يمكن أن نتفهمه بسهولة ، أما أن تكون مفاجئة للمتظاهرين أنفسهم فهذا ما لا يمكن قبوله بسهولة ، وخاصة بعد النغمة السائدة التى تردد أن ما حدث كان مخططا له على أعلى مستوى..

ولكننى أتساءل ، من هؤلاء الذين خططوا ونظموا ، وما مصلحتهم ، وإلام يدعون ؟ وغيرها من التساؤلات التى لا يمكن أن نجد لها إجابة فى ضوء أمرين
الأول: إصرارنا أن ما حدث كان مخططا له على أعلى مستوى.
الثانى: عدم القدرة على إلصاق التهمة بأى قوى سياسية محددة ، للأسباب التى وضحناها فى بداية الحديث ، أضف إلى ذلك أن من شاهدناهم على شاشات التلفاز لا تظهر علي أفعالهم أمارات التنظيم والتخطيط الجيد حيث كان من السهل على أى شخص أن يلتقط لهم الصور وبمنتهى السهولة ، فمن الواضح أن خبراتهم السياسية تساوى صفرا مع الاعتذار للصفر!

فمن الواضح أن هؤلاء المتظاهرين فئة غير متجانسة تنظيميا ، يجمعهم شيئ واحد شاهدنا جميعا آثاره المدمرة ، وهذا ما يدفعنى للقول إن ما حدث كان مفاجئا للمتظاهرين أيضا الذين خرجوا عن سيطرة الأمن فقاموا بعدة تصرفات غير مسؤولة كإشعال النيران فى الإطارات أمام القطارات مما اضطر سائق القطار للتوقف خشية حدوث ما لا تحمد عقباه ، فوجدوا صيدا ثمينا يتمثل فى القطار وركابه فتفاقمت الأمور بشكل كبير ومفاجئ للجميع بما فى ذلك المتظاهرين أنفسهم.

ثانيا : كيف تفاقمت الأمور؟

هناك بعض العوامل الديموجرافية التى وصلت بالأمور إلى تلك الدرجة من التصعيد ، تختص بعض تلك العوامل بطبيعة المكان ، وتختص بعضها بنمط السكان فى مدينة المحلة الكبرى..

1) بالنسبة لطبيعة المكان: المحلة الكبرى من المناطق التى يصعب السيطرة عليها أمنيا ، ولكى أقرب الصورة أسترجع معك بعض ذكرياتى مع المظاهرات التى كنا نقوم بها فى المدرسة الثانوية مع بداية انتفاضة الأقصى..

كنا نجتمع وبصورة عشوائية أمام مدرسة طلعت حرب الثانوية العسكرية ، وكان بعض زملائنا يقومون برسم علم إسرائيل ثم نقوم بإحراقه ، وما هى إلا لحظات وتبدأ المطاردات بيننا وبين رجال الأمن التى كنا نسعد بها كثيرا حيث نقوم بالجرى إلى داخل الشوارع الضيقة التى يصعب على رجال الأمن ملاحقتنا خلالها ونستمر فى هتافاتنا إلى أن نصل من خلال تلك الشوارع إلى منطقة (إِسُّو) التي أحرق القطار فيها في أحداث المحلة السابقة فما يكون من رجال الأمن محدودي الذكاء إلا أن يحاصرون منطقة الجمهورية بأكملها من الخارج من ناحية الشارع العمومي دون أن يتمكنوا من الدخول إلى المنطقة حتى يقوم بعض الصبية من محبي الشغب بجمع الحجارة المتراكمة على السكك الحديدية وينهالون بها على رجال الأمن الذين لا يستطيعون التعامل معهم في الشوارع الضيقة التي يحتمون بها.

هذا بالضبط ما حدث مع المتظاهرين في السادس من إبريل فبعد أن انهال عليهم رجال الأمن بالسب والضرب كما أشرنا أفلت الموقف من نطاق السيطرة واحتمى المتظاهرون بمنطقة الجمهورية حتى وصلوا إلى منطقة إسو التي يصعب على الأمن اقتحامها ، وهذا ما دفع رجال الأمن لإطلاق القنابل المسيلة للدموع والطلقات النارية على تلك المناطق مما تسبب فى مقتل الصبي (أحمد على) الذي كان ينظر من شرفة منزله في الدور الرابع على مسافة تبعد عن الشارع العمومي قرابة الخمسين مترا ..

وهذا التصعيد المبالغ فيه من ناحية الأمن أغرى الصبية الصغار الذين لا تتجاوز أعمارهم خمسة عشرة سنة للمشاركة فى ذلك الأمر الذي لم يألفوه ، وقد سمعت أحدهم يهتف فرحا (شاركت في المظاهرة ، شاركت في المظاهرة ) ، أضف إلى ذلك بعض العوامل النفسية التي تدعوا الكثيرين للمشاركة في ذلك حيث إن المواطن المصري تربى على أن يخاف من الأمن فما بالك بفرصة ذهبية متاحة له أن يخرج كبت السنين ويحطم عربات الأمن.

وأسوق لك موقفا رأيته رأى العين ولك الحكم .. فقد سمعت مجموعة من الصبية الذين أعرفهم بالشكل ، إنهم أبناء الجيران الذين طالما أزعجونى بصوتهم العالي وهم يلعبون الكرة والاستغماية ، لم يكن الحديث الذي يدور بينهم حول تقسيم الفريقين هذه المرة ، بل كانوا متحلقين في دائرة تضم حوالي عشرة منهم او يزيد وكان أحدهم يقول بلغة الأطفال وبحماس الفرسان وبحكمة المقاتلين ( احنا طلعنا عليهم من الشارع ده مرتين ممكن يكونوا مستخبيين لنا على الناصية ، أحنا نضحك عليهم ونطلع من الشارع بعد بعد اللى جاى ونجهز الطوب فى إيدينا ونهجم عليهم فجأة ونرجع جرى ، وكل شوية نطلع عليهم من شارع شكل !!! ).

بالله عليك هل هذه الصورة التى وصلتك على خلفية الوضع المتفاقم وراء النيران التى شاهدتها عبر القنوات الفضائية ووكالات الأنباء العالمية تنبئ عما أسموه تخطيطا محكما لفئة مندسة؟!

2) بالنسبة لطبيعة السكان: بداية وقبل أن تطوح بك الظنون لتحكم على مدينة المحلة الكبرى بأنها بلد البلطجية واللصوص أحب أن أشير إلى أن ما سوف أقوله عن طبيعة السكان لا ينطبق على أغلب سكان المحلة ، بل إن أغلب سكانها يتسمون بالطيبة التي يتميز بها أهل مصر المحروسة فى كل مكان من أرضها ولكني أتحدث عن أماكن لتجمع الخارجين عن القانون كسوق اللبن والرجبي مستغلين طبيعة تلك الأماكن التي يصعب على الأمن دخولها لضيق شوارعها واتسامها بالعشوائية في تخطيط تلك الشوارع مما يسهل على هؤلاء مراوغة الشرطة.

وهذا يجعل تلك الأماكن العشوائية – حالها حال العشوائيات فى أى مكان – معقل للصوص والهاربين من الأحكام القضائية ، ولعل قرب مدرستى عبدالحى خليل وطه حسين من بعض تلك المناطق أدى ببعض محبى الشغب واللصوص محترفى الإجرام إلى اقتحامهما وسرقة ما بهما من أجهزة الحاسب الآلى وغير ذلك.

وأختم هذه النقطة بتأكيدى أن الأمور التى تفاقمت بصورة كبيرة ما كان لها أن تصل إلى تلك الدرجة إلا بعد الاستفزازات الأمنية المستمرة والتعامل غير المدروس الذى لا يقوم على مراعاة الجانبين التى أشرت إليهم (عنصر المكان ن والعنصر السكانى) وأعود لدعوة الحكومة مرة أخرى إلى عمل مراجعات أمنية على أعلى مستوى.

كيف انتهت الامور؟

يبدو أن الإعلام المصرى احترف التزوير والنفاق ، وهذا الأمر أقرره الآن دون أن أكون مبالغا ، فإن الصورة التى حملها إلينا قطاع الأخبار المصرى كانت مجالا خصبا للسخرية من كل أبناء المدينة الذين شاهدوا الاحداث بأنفسهم ، منذ بداية الأحداث إلى نهايتها ..

فقد حرص الإعلام المصرى على نقل وقائع الجلسة التى دارت بين رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف وبين عمال المحلة ، وحرص على إبراز اللقاء بصورة ودية عن طريق عدم إظهار رجال الأمن فى خلفية اللقاء ، وأنا أرجح وبشدة دون أن أجزم أن الكثيرين ممن رأيناهم يهتفون فى هذا اللقاء ليسوا من عمال المحلة بل هم من رجال الحزب الوطنى ، أما ما أنا متأكد منه ورواه لنا عمال الشركة أن الذين دخلوا هذا اللقاء تعرضوا للتفتيش الصارم والمضايقات الامنية والتحذيرات والتهديدات ، والإغراءات وغير ذلك من أساليب الضغط النفسى ، وغير النفسى بغية ظهور اللقاء بهذا الشكل الودى الذى شاهدناه فى نشرة الأخبار .

ولكن ... هل كانت هذه هى النهاية كما صوروا لنا ؟

لم تكن نهاية على الإطلاق ، بل كان هذا القرار غير المدروس بداية لمشكلات أخرى أضافت إلى المشهد فى المحلة أبعادا أخرى من التوتر ، فعلى سبيل المثال منح د/نظيف عمال المحلة شهرا كاملا ومنح عمال الغزل من غيرهم نصف شهر ، فقام عمال شركة النصر للغزل والنسيج فى المحلة الكبرى باعتصام للحصول على بقية الشهر! فاستجابت لهم الحكومة فورا ، وبالطبع لم ينشر الإعلام هذا الخبر حتى لا تكون رسالة واضحة لكل العاملين فى القطاع الحكومى بأن يقوم بالاعتصامات للحصول على المنح والهبات التى تقدمها الدولة.

ملاحظة : حتى هذه اللحظة التى أكتب فيها والإعلام يحاول أن يؤكد أن ما حدث كان خروجا عن المألوف من قبل القلة الخارجة عن القانون ، والذى دعانى لكتابة هذه الملاحظة أننى قمت لعمل كوب من الشاى ، وبينما انا أقوم بإعداده سمعت نشرة أخبار السادسة تخبرنا أن د/صفوت الشريف رئيس مجلس الشورى يشكر عمال المحلة ويؤكد ان ما حدث كان .. وكان .. وأن الأمور فى المحلة عادت إلى مجاريها ، عل خلاف الوضع الواقع بالفعل ، فشارعى الذى أقطن فيه حتى هذه اللحظة لم تغادره مدرعة القوات الخاصة رغم أنه شارع جانبى ربما لم تدخله عربة الشرطة الصغيرة (البوكس) من قبل .

المحلة حتى هذه اللحظة تغلى ، وخاصة بعد أن قامت قوات الشرطة العاجزة عن القبض على المتهمين الحقيقيين بإلقاء القبض على عدد غفير من سكان المدينة وخاصة الشباب الصغير الذى لا يتجاوز عمره الثامنة عشر أى طلاب الثانوية العامة العائدين إلى منازلهم من الدروس الخصوصية والمراكز التعليمية وطلاب الجامعة العائدون من جامعة طنطا وجامعة المنصورة وجامعة كفر الشيخ ، وأعرف بعض من تم إلقاء القبض عليهم يقولون لنا وقد أفرج عن بعضهم ، تم التحقيق معنا دون محامين وكان وكيل النيابة يملى المحضر بالكامل الأسئلة والأجوبة على السواء ويبرئ من يريد ويدين من يريد ، وحسبتا الله ونعم الوكيل.

وقالت لى أخت هذا الشاب أثناء تواجدى معها أمام قسم الشرطة فى محاولة إخراجه (عساكر الأمن المركزى دول لهم شغلتين ما لهمش تالت .. يعاكسو البنات الصبح ويقبضوا على الطلبة بالليل).

فهل يهدأ الوضع في المحلة ومئات الأبرياء وربما أكثر من ذلك ما زالوا متواجدين في قسم الشرطة دون ذنب ، والآلاف من أهاليهم يعتصمون أمام أقسام الشرطة ، ومنذ قليل كنت على الهاتف مع أحد زملائى وأخبرنى أن أخيه أصيب أثناء محاولته تصوير تلك الاحداث بالتليفون المحمول بطلقة مطاطية فى قدمه.

فهل بعد كل هذا يهدأ الوضع فى المحلة ، ربما تريد الحكومة له أن يهدأ ، ولكن الواقع لا يمكن أن يكون هكذا ، ومما يؤكد أن هدوء الأوضاع في المحلة عبارة تلفيق وكذب الجريمة التى ارتكبتها قوات الامن صباح يوم الجمعة 11 / 4 / 2008 ، حيث احتجزت عدد من أساتذة الجامعات الذين جاءوا إلى المحلة للاعتصام حتى ينتهى الحصار الأمنى المفروض على المدينة ، وألقت القبض على مصور وكالة رويترز للأخبار ، فهل بعد كل هذا نقول إن الأمور هدأت ، والوضع مستقر ، وتحت السيطرة ... إلى أخر تلك العبارات التى حفظناها عن ظهر قلب؟!
كلمة أخيرة..
إن ما حدث فى مدينة المحلة الكبرى نذير شديد بالخطر ، فالأوضاع الإقتصادية والاجتماعية التي تجتاح الشارع المصري تؤذن بكارثة حقيقية ، فها هى الشرارة الأولى للثورة المتوقعة ، ثورة الجياع التى لن تبقى ولن تذر إذا هى قامت ، ولا يمكن لنا أن نتنبأ بنتائجها لأنها سوف تكون ثورة من نوع جديد لم تشهدها مصر من قبل ، فالثورات الأخيرة التى شهدها القرن لماضى سواء ثورة 1919 م ، أو ثورة 1952 م كانت ثورات يحركها الفكر ، فكان الثوار يعرفون ماذا يريدون تحديدا ، ويتجهون إلى أهداف محددة ، أما الثورات التى تحركها البطن لا تعرف لها وجهة ولا أهدافا ، فالجوعى يبتلعون ما بطريقهم ، فإذا استعصى عليهم قاموا بتحطيمه كى يسهل عليهم ابتلاعه! وهم فى النهاية لا يعرفون ما يريدون .. وأعتقد أننا رأينا ذلك بوضوح على وجوه المتظاهرين فى المحلة الكبرى

أحداث المحلة .. مالها وما عليها..
 رغم ما ينتابنى من الحسرة والألم على ما آلت إليه مدينتى (التى كانت جميلة) إلا أننى ورغم كل ما يؤخذ على تلك الفئة غير الواعية أتلمس بصيصا من النور فى تلك الأحداث ، فربما تكون بداية للمقاومة الشعبية ضد المستبدين من حكام هذا الشعب ، وربما تكون درسا لهؤلاء المستبدين لكى يراجعوا أنفسهم قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه وهذا هو ما أتمناه انا شخصيا..

إمضاء..

محلاوى خايف على مصر
إبريل 2008