سيطر على فى الأيام القليلة الماضية شعور رهيب بالعدمية ، والفناء ، أنظر إليهم جميعا .. أراهم هناك لا هنا ، هناك فيما وراء الحياة ، بعيدا عن المسرحية الأزلية التى يتقن كل منا فيها دوره إلى حد التوحد معه ، اندماج يحول بين أبطالها وبين الإفاقة من غيبوبة التقمص ، هذه المسرحية رغم شدة إتقان أحداثها لا يعرف كثير من أبطالها ما دوره فيها ، ولا يعرف أى منهم متى ينتهى تحديدا !! ومع ذلك يؤديه بإتقان وحرص شديدين ، حتى إذا حان موعد انتهاء الدور تشبث بالخشبة بيديه ورجليه وكأنه لا يعلم أن
كل نفس ذائقة الموت
رأيت جدى - أو من هو فى مقام جدى – وهو يحتضر ، كان مصرا على أن يؤدى صلاة المغرب ، وبعيدا عن فكرة الخاتمة وحسنها أو قبحها سيطرت على فكرة ، الرجل فى غيبوبة الموت كان مصرا على التمسك بآخر ما تبقى من ثوان ليقضيها فى الأمر الذى كان يتلذذ به فى دنياه متشبسا بالحياة التى أحبها ، ربما حزين على فراقها ، ربما علم أنها النهاية فى تلك اللحظات الصعبة ويشعر بالرهبة مما وراء تلك اللحظة من خلود فى عالم آخر لا يعرف ماهيته مهما قيل له عنه ، وجدت نفسى أتذكر المقولة المأثورة ( من عاش على شيئ مات عليه ) ولكنى قرأتها بمعنى جديد على ، معنى التشبث بالحياة ، ولكن فى غضون لحظات ، لم يستطع الرجل أن يقاوم القدر المحتوم ، انتهت صلاته ، سكراته .. بل حياته.
دفناه ظهرا ، ومن ترتيب القدر أن أحضر جنازة أخرى عصرا ، و عند القبر .. لحظة نزول الجسد إلى نافذته إلى العالم الآخر ، كسر الصمت صوت الواعظ الذى لم يختلف دوره عن دور مكبرات الصوت حيث ترجم الوعظ الخافت الصامت إلى وعظ مسموع ، ولعله كان من المقربين إلى المتوفى فأخذ يثنى عليه خيرا ويروى لنا أنه ممن عانى من المرض كثيرا حتى توفاه الله على الإيمان والصبر ، تذكرت ساعتها جدى الذى كانت له ظروف مشابهة ربما أكثر قسوة مع المرض ، وساعتها تبلورت الفكرة فى رأسى .. إذا أهمتك الحياة فاذكر الموت .
لعلهما الآن نسيا كل ما مر بهما من ألم إن من الله عليهما برحمة نأملها لهم ولنا .. تذكرت أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة حين رأى فى عينيها شفقه عليه وحزنا على ما أصابه من مرض وكرب فقال لها ( ليس على أبيك كرب بعد اليوم ).
وجدت نفسى وقتها أكررها كثيرا .. إذا أهمتك الحياة فاذكر الموت !!


0 آراء الزوار ( شرفنى برأيك ! ):
إرسال تعليق